ولما اشتدّ القحط وعظم البلاء عم ذلك جميع البلاد حتى وصل إلى بلاد الشام وأرض كنعان، وقصد الناس مصر من كل مكان للميرة، فجعل يوسف عليه السلام لا يعطي أحداً أكثر من حمل بعير وإن كان عظيماً تقسيطاً بين الناس. وتزاحم الناس عليه، ونزل بآل يعقوب ما نزل بالناس من الشدّة، فبعث بنيه إلى مصر للميرة وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه وأبيه فذلك قوله تعالى : وجاء إخوة يوسف وكانوا عشرة وكان منزلهم بالعربات من أرض فلسطين ثغور الشأم وكانوا أهل إبل وشياه، فدعاهم أبوهم يعقوب عليه السلام، وقال : بلغني أن بمصر ملكاً صالحاً يبيع الطعام فتجهزوا إليه واقصدوه لتشتروا منه ما تحتاجون من الطعام.
وهاهنا همزتان مختلفتان من كلمتين، فقرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو بتسهيل الثانية، والباقون بالتحقيق. ولما أمرهم أبوهم بذلك خرجوا حتى قدموا مصر فدخلوا عليه فعرفهم قال ابن عباس : بأوّل نظرة إليهم عرفهم. وقال الحسن : لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه. وهم له منكرون ، أي : لم يعرفوه وذلك لوجوه : الأوّل : أنه عليه السلام أمر حجابه بأن يوقفوهم من البعد وما كان يتكلم معهم إلا بواسطة، الثاني : أنهم حين ألقوه في الجب كان صغيراً، ثم أنهم رأوه بعد وفور اللحية وكبر الجثة، قال ابن عباس : وكان بين أن قذفوه في البئر وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه، وقال عطاء : إنما لم يعرفوه ؛ لأنه كان على سرير الملك، وكان بزيّ ملوك مصر عليه ثياب حرير، وفي عنقه طوق ذهب.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني