وقوله تعالى : وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون إشارة إلى قدوم إخوة يوسف إلى مصر بقصد الحصول على القوت اللازم لهم، إذ كانت بلاد كنعان حيث يستقر يعقوب عليه السلام قد أصابها القحط والجدب، وكانت أخبار عزيز مصر وإحسانه إلى الناس قد بلغت أصداؤها إليهم، وبهذه المناسبة دخلوا على يوسف وهو في أبهة الرياسة وهيبة السلطة فعرفهم يوسف، دون أن يتعرفوا عليه، على خلاف العادة في الجماعة.
والسر في ذلك أنهم فقدوا يوسف وهو في سن الصبا، فتغيرت ملامح وجهه عما كانت عليه، ومنذ اشتراه العزيز لامرأته واتخذاه فتى لهما كان كالمكتوم عن الناس، ثم أقام محبوسا ما شاء الله أن يقيم، وبطول المدة عمي أمره، وخفي خبره على أبيه وإخوته. يضاف إلى ذلك أن أحدا منهم لم يكن يتخيل أن يصل الأمر بمثله إلى ما وصل إليه من الجاه والنفوذ ومظاهر السلطان، ثم إن المركز الذي أصبح يحتله في الدولة يدعوهم إلى أن يتهيبوه عند المخاطبة لشدة حاجتهم إليه، وكل هذه الأسباب تجعل تعرفهم عليه، فضلا عن إطالة النظر إليه، أمرا عسيرا، بينما يوسف في هذه الحال متمكن من الأمر، متفرغ الذهن، لا يصعب عليه تأمل ملامحهم وملاحظة أحوالهم فعرفهم وهم له منكرون .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري