ولا بد لنا هنا أن ننظر إلى الأخوة بنوعياتها ؛ فقد تكون الأخوة من ناحية الأبوين معا ؛ وقد تكون من ناحية الأب دون الأم، أو من ناحية الأم دون الأب، وكان عدد أبناء يعقوب عليه السلام اثنا١ عشر : سبعة من واحدة، وأربعة من اثنتين : زلفى وبلعه ؛ واثنين من راحيل هما : يوسف، وأخوه بنيامين
وتبدأ الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها :
إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا.. ( ٨ ) [ يوسف ]
وحرف اللام الذي سبق اسم يوسف جاء للتوكيد، وكأنهم قالوا : والله إن أبانا يحب يوسف وأخاه أكثر من حبه لنا، والتوكيد لا يأتي إلا بصدد إنكار.
وهذا يدل على أنهم مختلفون في أمر يوسف عليه السلام ؛ فأحدهم يريد ان ينتقم من يوسف، وآخر يقترح تخفيف المسألة بإلقائه في الجب٢ ؛ ثم انتهوا إلى أن يوسف أحب إلى أبيهم منهم.
وفي قوله لمحة من إنصاف ؛ فقد أثبتوا حب أبيهم لهم ؛ ولكن قولهم به بعض من غفلة البشر ؛ لأنهم كان يجب أن يلتمسوا سبب زيادة حب أبيهم ليوسف وأخيه.
فيوسف وأخوه كانوا صغارا وماتت أمهما٣ ؛ ولم يعد لهم إلا الأب الذي أحس بضرورة أن يجتمع فيه تجاههما حنان الأب وحنان الأم ؛ ولأنهما صغار نجد الأب يحنو عليهما بما أودعه الله في قلبه من قدرة على الرعاية.
وهذا أمر لا دخل ليعقوب فيه ؛ بل هي مسألة إلهية أودعها الله في القلوب بدون اختيار ؛ ويودعها سبحانه حتى في قلوب الحيوانات.
وقد شاء سبحانه أن يجعل الحنان على قدر الحاجة ؛ فالقطة- على سبيل المثال- إن اقترب أحد من صغارها المولودين حديثا ؛ تهجم على هذا الذي اقترب من صغارها.
ولذلك نجد العربي القديم قد أجاء على من سأله " أي أبنائك أحب إليك ؟ " فقال : " الصغير حتى يكبر ؛ والغائب حتى يعود، والمريض حتى يشفى ".
وهذه مسألة نراها في حياتنا اليومية، فنجد امرأة لها ولدان، واحد أكرمه الله بسعة الرزق ويقوم بكل أمورها واحتياجاتها ؛ والآخر يعيش على الكفاف٤ أو على مساعدة أخيه له ؛ ونجد قلبها دائما مع الضعيف.
ولذلك نقول : إن الحب مسألة عاطفية لا تخضع إلى التقنين ؛ ولا تكليف بها ؛ وحينما يتعرض القرآن لها فالحق سبحانه يوضح : أن الحب والبغض انفعالات طبيعية٥ ؛ فأحبب من شئت وأبغض من شئت ؛ ولكن إياك أن تظلم الناس لمن أحببت ؛ أو تظلم من أبغضت.
اقرأ قول الحق سبحانه :
ولا يجرمنكم٦ شنآن٧ قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ( ٨ ) [ المائدة ]
فأحبب من شئت، وأبغض من شئت، ولكن لا تظلم بسبب الحب أو البغض.
وقد يقول قائل : ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ).
نقول : اقرأ ما جاء في نفس رواية الحديث ؛ فقد قال عمر رضي الله عنه –بوضوحه وصراحته وجراءته ؛ دون نفاق- أحبك يا رسول الله من مالي وعن ولدي أما عن نفسي ؛ فلا، فكرر النبي صلى الله عليه وسلم قوله :
( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه )٨.
ففطن عمر رضي الله عنه إلى أن الأمر هو التزام عقدي وتكليفي ؛ وفهم أن المطلوب هو حب العقل ؛ لا حب العاطفة.
وحب العقل –كما نعلم- هو أن تبصر الأمر النافع وتفعله ؛ مثلما تأخذ الداء المر ؛ وأنت تفعل ذلك بحب عقلي ؛ رغبة منك في أن يأذن الحق بالشفاء.
والمسلم يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقله ؛ لأنه يعلم أنه لولا مجيء رسول الله لما عرف حلاوة الإيمان، وقد يتسامى٩ المسلم في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يصير حب الرسول في قلبه حبا عاطفيا.
وهكذا نرى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أوضح لنا الخطوط الفاصلة بين مبادئ الحب العقلي والحب العاطفي.
والمثال الآخر من سيرة عمر رضي الله عنه في نفس المسألة ؛ حب العقل وحب العاطفة ؛ حين مر عليه قاتل أخيه ؛ فقال واحد ممن يجلسون معه : هذا قاتل أخيك، فقال عمر : وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام ؟
وصرف عمر وجهه بعيدا عن قاتل أخيه ؛ فجاء القاتل إليه قائلا : لماذا تزوي وجهك عني ؟ قال عمر : لأني لا أحبك، فأنت قاتل أخي، فقال الرجل : أو يمنعني عدم حبك لي من أي حق من حقوقي ؟ قال عمر : لا. فقال الرجل : " لك أن تحب من تريد، وتكره من تريد، ولا يبكي على الحب إلا النساء ".
وكان على إخوة يوسف أن ينتبهوا إلى أن حب والدهم ليوسف وأخيه هو انفعال طبيعي لا يؤاخذ به الأب ؛ لأن ظروف الولدين حتمت عليه أن يحبهم مثل هذا الحب.
وتستمر القصة بما فيها من تصعيد للخير وتصعيد للشر ؛ ولسائل أن يسأل : ولماذا انصب غضبهم على يوسف وحده ؟
ويقال : إنهم لم يرغبوا أن يفجعوا١٠ أباهم في الاثنين- يوسف وأخيه- أو أن شيئا من رؤيا يوسف تسرب إليهم.
ومن العجيب أن يقولوا بعد ذلك : ونحن عصبة.. ( ٨ ) [ يوسف ]
والعصبة من عدد عشرة فما فوق ؛ والعصبة أيضا هم المتكاتفون المتعصبون لبعضهم البعض ؛ وهم الذين يقومون بالمصالح ويقضون الحاجات ؛ وقد تقاعد أبوهم ؛ وترك لهم إدارة أعمال العائلة.
وقالوا : " ما دمنا نقوم بمصالح العائلة، فكان من الواجب أن يخصنا أبونا بالحب " ولم يلتفتوا إلى أنهم عصبة، وهذا ما جعل الأب يحبهم، لكنه أعطى من ليسوا عصبة مزيدا من الرعاية، ولكنهم سدروا١١ في غيهم١٢، ووصلوا إلى نتيجة غير منطقية وهي قولهم :
إن أبانا لفي ضلال مبين ( ٨ ) [ يوسف ]
وهذا القول هو نتيجة لا تنسجم مع المقدمات، فيوسف وأخوه طفلان ماتت أمهما، ولا بد أن يعطف عليهم الأب ؛ وحبه لهما لم يمنع حبه للأبناء الكبار القادرين على الاعتماد على أنفسهم.
وحين يقولون :
إن أبانا لفي ضلال مبين ( ٨ ) [ يوسف ]
قد يفهم بعض الناس كلمة " ضلال " هنا بالمعنى الواسع لها.
نقول : لا ؛ هناك ضلالا مقصودا، وهو أن يعرف طريق الحق ويذهب إلى الباطل، وهذا ضلال مذموم.
وهناك ضلال غير مقصود، مثل : ضلال رجل يمشي فيسلك طرقا لا يعرفها فيضل عن مقصده ؛ ومثل من ينسى شيئا من الحق.
وسبحانه القائل :
أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.. ( ٢٨٢ ) [ البقرة ]
وسبحانه القائل أيضا :
ووجدك ضالا فهدى ( ٧ ) [ الضحى ]
إذن : فالضلال المذموم هو أن تعرف طريق الحق، وتذهب إلى الضلال.
وهكذا أخطأ إخوة يوسف في تقدير أمر حب أبيهم ليوسف وأخيه ؛ ووصلوا إلى نتيجة ضارة ؛ لأن المقدمات التي أقاموا عليها تلك النتيجة كانت باطلة ؛ ولو أنهم محّصوا المقدمات تمحيصا دقيقا لما وصلوا إلى النتيجة الخاطئة التي قالوها :
إن أبانا لفي ضلال مبين ( ٨ ) [ يوسف ]
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما جاء على ألسنة إخوة يوسف :
اقتلوا يوسف أو اطرحوه١٣ أرضا يخل١٤ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ( ٩ )
٢ - الجب: البئر التي لم تبن بالحجارة، قال الليث: هي البئر غير البعيدة، وقال الفراء: بئر مجببة الجوف إذا كان وسطها أوسع شيء منها مقببة. [لسان العرب- مادة: جبب]..
٣ - ماتت أمهما راحيل في نقاس بنيامين، ذكره القرطبي في تفسيره..
٤ - الكفاف: أي ليس في نفقته فضل إنما عنده ما يكفه عن الناس، قال الجوهري: كفاف الشيء بالفتح مثله وقيسه، والكفاف أيضا من الرزق: القوت وهو ما كف عن الناس أي أغنى فهو لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه. [لسان العرب-مادة: كفف]..
٥ -الطبع والطبيعة: الخليقة والسجية التي جبل عليها الإنسان، الطباع: كالطبيعة، مؤنثة [لسان العرب- مادة: طبع]..
٦ - جرم الشيء، جرما: قطعه وغلب على فعل الشر. يقال: جرم: أذنب وجنى وجناية وجرم المال: كسبه من أي وجه، وجرمه: حمله على فعل شر أو ذنب وجرم. قال تعالى" ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا..(٨) [المائدة] أي: لا يحملنكم بغض قوم على عدم العدل، أي: التزموا العدل حتى مع من تكرهونهم، أي: اعدلوا دائما فالعدل أقرب للتقوى. [القاموس القويم ١/١٢١]..
٧ - شنآه وشنئه شنئا وشنأة وشنآنا: أبغضه وكرهه قال تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى (٨) [المائدة] وشانيء: اسم فاعل، قال تعالى: إن شانئك هو الأبتر (٣) [الكوثر] أي: مبغضك وكارهك [القاموس القويم ١/ ٣٥٧]..
٨ - عن جد زهرة بن معبد قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم هو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: والله يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) قال: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الآن يا عمر) أخرجه أحمد في مسنده [٤/ ٣٣٦].
٩ - السمو: الارتفاع والعلو، سما الشيء يسمو سموا" ارتفع، وتساموا: تباروا وتساميها: تباريها وتفاخرها، والتسامي: الرفعة والارتقاء [لسان العرب- مادة: سما} بتصرف..
١٠ - الفجيعة: الرزية الموجعة، فجعته المصيبة: أوجعته، والفواجع: المصائب المؤلمة التي تفجع الإنسان بما يعز عليه من مال أو حميم، الواحدة فاجعة [لسان العرب- مادة: فجع]..
١١ السادر: المتحير، وهو أيضا الذي لا يهتم لشيء ولا يبالي ما صنع [لسان العرب- مادة: سدر]..
١٢ -الغي: الضلال والخيبة: غوى: ضل، والغواية: الانهماك في الغي، والغوى: شديد الضلالة والغواية، وأغواه: أضله وأوقعه في الغي والضلال. [القاموس القويم ٢/ ٦٤]..
١٣ - طرح الشيء وطرح به: رماه، والطرح بالتحريك: البعد والمكان البعيد، قال تعالى: أو اطرحوه أرضا..(٩) [يوسف] أي: ألقوه في أرض البعيد [القاموس القويم ١/ ٣٩٩]..
١٤ - خلا فلان إلى فلان: فرغ له ولم يشتغل عنه بغيره، قال تعالى على لسان إخوة يوسف: يخل لكم وجه أبيكم..(٩) [يوسف] أي: يفرغ لكم والدكم ويتجه إليكم بكل عنايته ولا يشتغل عنكم بأحد غيركم. [القاموس القويم ١/ ٢٠٩].
تفسير الشعراوي
الشعراوي