ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

وتولى عنهم كراهة لما صادف منهم ذلك وقال يا أسفى على يوسف أي يا أسفي تعال فهذا أوانك، والأسف أشد الحزن والحسرة، والألف بدل ياء المتكلم، روى عبد الرزاق وابن جرير موقوفا عن سعيد ابن جبير أنه قال :( لم يعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصاب لم يسترجع وقال يا أسفا ) وكذا روى البيهقي في شعب الإيمان وقال وقد رفع الضعفاء هذا الحديث إلى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه الثعلبي من طريق سعيد بن جبير مرفوعا إلا قوله ألا ترى إلى يعقوب وابيضت عيناه لكثرة بكائه من الحزن محق سوادهما بكثرة البكاء فعمى بصره، قال مقاتل : لم يبصر بهما ست سنين وقيل : ضعف بصره فهو كظيم الكظم مخرج النفس يقال أخذ بكظمه والكظوم احتباس النفس ويعبر به عن السكوت، فالكظيم محتبس النفس يعني الساكت، وهو بمعنى الفاعل، والمعنى : كاظم غيظه وحزنه فمسك عليه لا يبث حزنه في الناس. ومنه كظم البعير إذا ترك الاجترار وحبس ما أكل في بطنه وكظم السقاء شده بعد مله، وقد يطلق الكظيم على المملوء نظرا إلى أن المملوء يشد فمه ويحبس ما فيه، فهو على هذا جاز أن يكون بمعنى المفعول أي المكظوم المملوء من الغيظ، قال قتادة يعني تردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرا، قال الحسن كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التلقي معه ثمانون عاما لا تجف عينا يعقوب وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله منه.
وههنا إشكال قوي على قاعدة التصوف، حيث قالوا إن الصوفي بعد فناء قلبه لا يشتغل قلبه بغير الله سبحانه ولا يسع فيه محبة أحد من الخلائق، فما بال يعقوب عليه السلام وهو من الأنبياء الكبار والمصطفين الأخيار أولي الأيدي والأبصار، قد شغفه حب يوسف عليه السلام الكريم حتى ابيضت عيناه من البكاء عليه وهو كظيم، وما قيل إن العالم بأسرها مجال ومرايا لله سبحانه وتعالى، فاشتغال قلبه بيوسف اشتغال به تعالى على الحقيقة، فذلك قول في غلبة التوحيد لأهل الابتداء أو التوسط ويستنكف عنه أهل الانتهاء فكيف الأنبياء عليهم السلام، ولو كان كذلك فلا وجه حينئذ لتخصيص تعلق الحب بيوسف عليه السلام دون غيره.
والجواب عن الإشكال : إن هذا مختص بالنشأة الدنيوية يعني لا يمكن اشتغال قلب الصوفي بعد الفناء بشيء من الأشياء الدنيوية وأما الأشياء الأخروية فليس هذا شأنها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما )١ رواه ابن ماجه عن أبي هريرة والطبراني عن ابن مسعود بسند صحيح والبزار عن ابن مسعود نحوه والطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، بخلاف الآخرة فإنها مرضية لله تعالى وتعلق القلب بها مرضي لله تعالى قال الله تعالى : واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار٤٥ ٢ يعني أولي القوة في طاعة الله والبصارة في معرفة الله تعالى وأحكامه، إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار٤٦ ٣ أي جعلناهم خالصين بخصلة خالصة لا شوب فيها هي ذكر الدار الآخرة، قال مالك بن دينار نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها، وجعلنا الآخرة مطمح نطرهم فيما يأتون ويذرون، وإطلاق الدار على الآخرة للإشعار بأنها الدار على الحقيقة والدنيا معبر، هذه الآية صريح في أن الآخرة مرضية لله تعالى وحبها وما فيها موجب للمدح، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( قيل لي يعني في المنام سيد بنى دارا وصنع مأدبة وأرسل داعيا، فمن أجاب الداعي د خل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة وسخط عنه السيد، قال : فالله السيد ومحمد الداعي والدار الإسلام والمأدبة الجنة ) رواه الدارمي عن ربيعة الجرشي، وهذا غاية معرفة الأكملين لم يطلع عليها المتوسطون فضلا عن أهل الابتداء والعوام، ولو كانت رابعة البصرية مطلعة على ذلك لما قالت أريد أن أحرق الجنة كيلا يعبد الناس الله تعالى لأجلها، ألم تسمع قوله تعالى : من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ٤ يعني وقت لقائه الآخرة ومحل لقائه الجنة، وقوله صلى الله عليه وسلم :( الجنة طيبة التربة عذبة الماء وإنها قيعان وإن غراسها هذه يعني سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر )٥ رواه الترمذي عن ابن مسعود، وروى الشيخان في الصحيحين والحاكم والطبراني بلفظ ( يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة )٦ قال سيدي وإمامي المجدد للألف الثاني المعنى التنزيهي لبس في دار الدنيا كسوة الحروف والكلمات، وسيلبس في الجنة كسوة الأشجار والثمرات، فتعلق الحب بها كأنه تعلق بالتنزيهات وقس على هذا، وقال عندي أن جنة كل واحد عبارة عن ظهور اسم من أسماء الله تعالى الذي هو مبدأ لتعينه، وأن ذلك الإسم سيظهر لذلك الشخص بصورة الأشجار والأنهار والحور والقصور والولدان، فتفاوت الجنات للأشخاص على حسب تفاوت الأسماء والصفات من حيث الجامعية وعدمها، وباعتبار قربه من الذات وغير ذلك، وتلك الأشجار ونحوها قد تكون على هيئة الأجرام الزجاجية فتصير وسيلة لرؤية الذات الغير المتكيفة، ثم تعود كما كانت وهكذا إلى أبد الآبدين.
فإن قيل إن الممكن في نفسه ليس وعدم ومقتض للشر والنقص، وما فيه من الحسن والجمال والخير والكمال مستعار من الواجب، والمحبة واشتغال القلب إنما يتعلق بالحسن والجمال وذلك مستعار في كل ممكن من الواجب تعالى، فما وجه الفرق بين الأشياء الدنيوية والأخروية وجواز تعلق الحب بإحداهما دون الأخرى ؟ قلنا : العالم بأسرها مجال ومظاهر لأسمائه وصفاته، وصفاته تعالى ممكنة في حد ذواتها واجبة بغيرها أي بذات الله تعالى لإحتياجها إلى الذات، لكن لا يطلق لفظ إلا مكان والوجوب بالغير لئلا يوهم حدوثها وانفكاكها عن الذات، ولما كانت الصفات ممكنة في حد ذاتها وإن كان انعدامها مستحيلا بغيرها، ففيها رائحة الإمكان والعدم، ولأجل ذلك تنكشف الصفات عند الصوفي من وجهتين : وجهة جانب الوجود المستفاد من مرتبة الذات ووجهة جانب احتمال العدم نظرا إلى إمكانها في ذاتها، فوجهة وجودها حسن وجميل لا محالة، ووجهة عدمها أيضا لا يخلو عن حسن وجمال بمجاورة وجهة الوجود وإن كان ذلك الحسن في مرتبة الوهم فليعلم أنه يظهر في نظر الكشفي أن صفاته تعالى تجلت في الأشياء الدنيوية بوجهتها التي إلى الإعدام، فهي من هذه الحيثية مربيات للأشياء الدنيوية، وتجلت في الأشياء الأخروية بوجهتها التي إلى الوجود، وبهذه الحيثية مربيات للأشياء الأخروية، ولذلك صارت الأخرى مرضية لله تعالى مقبولة، وصار تعلق القلب بتلك الأشياء كتعلقه بصاحبها، فالكاملون في محبة الله تعالى هم الكاملون في محبة الدار الآخرة، وهذا وجه الفرق بين الأشياء الدنيوية والأخروية وجواز تعلق الحب بإحداهما دون الأخرى.
إذا تمهد هذا فنقول : ظهر بالنظر الصريح والكشف الصحيح للمجدد للألف الثاني أن وجود يوسف عليه السلام وجماله وإن كان مخلوقا في الدار الدنيا لكنه كان على خلاف سائر الأشياء الموجودة فيها، من جنس الموجودات الأخروية وربتها صفات الله تعالى بوجهتها التي إلى الوجود كما ربت الجنة وما فيها من الحور والغلمان، فلا جرم جاز تعلق قلب أهل الكمال وحبهم به عليه السلام كما جاز تعلقها بالجنة وما فيها، كذا ذكر المجدد في المكتوب المائة من المجلد الثالث.
بقي ههنا إشكالان :
أحدهما أن المجدد قال في مقام آخر : إن الممكنات سوى الأنبياء والملائكة مجال ومظاهر لظلال الأسماء والصفات التي مباد لتعيناتها، دون الأسماء والصفات أنفسها، وأما الملائكة والأنبياء فأصول الأسماء والصفات مباد لتعيناتهم، وهم مجال ومظاهر لها، فكيف قال ههنا إن الممكنات بأسرها مجال لأسمائه وصفاته تعالى، وكيف يتصور حينئذ أن تتجلى الصفات بأنفسها في الأشياء الدنيوية بوجهتها التي إلى الإعدام، وفي الأشياء الأخروية بوجهتها التي إلى الوجود.
وحله أن كونها مجال لظلال الأسماء لا ينافي كونها ظلالا لأصولها فإن ظل الشيء ظل له، فالأسماء والصفات تتجلى في الأنبياء بلا توسط الظلال وفي غيرهم بتوسطها، ثم هي تتجلى في الأشياء الدنيوية بتوسط الظلال بوجهتها إلى العدم وفي الأشياء الأخروية بوجهتها التي إلى الذات والوجود الصرف فلا منافاة.
ثانيهما أنه يلزم حينئذ فضل يوسف عليه السلام على سائر الأنبياء بل على أفضلهم عليه وعليهم الصلوات والتسليمات، فإن الكلام السابق يشعر أن غير يوسف عليه السلام من الأنبياء في الدنيا مجال للصفات بوجهتها التي إلى العدم.
وحله أن هذا الإشعار إنما هو بمفهوم اللقب ولا عبرة لمفهوم اللقب، بل الحق أن الأنبياء كلهم عليهم الصلوات والتسليمات مجا ل للصفات باعتبار وجهتها إلى الوجود الصرف وليس عدم ظهور حسن الآخرة منهم عليهم الصلوات والتسليمات في الدنيا لكونهم مجال الصفات بوجهتها التي إلى العدم بل لأمر خفي لا يعلمه إلا الله تعالى.
وقد ذكر المجدد في حسن خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام أنه قال رب محمد صلى الله عليه وسلم ومبدأ تعينه صفة العلم الإجمالي وهو أقرب الصفات إلى الذات ألا ترى أن العلم الحضوري يتحد مع العالم والمعلوم، وأما غيره من الصفات من القدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر ليست بهذه المثابة، والإجمال أعلى درجة وأقرب من الذات من تفا صيلها، فللعلم حسن ذاتي ما ليس لغيرها من الصفات، فالعلم أحب إلى الله تعالى من غيره، وللعلم حسن وجمال لا كيفية له فلأجل كمال لطافته وعلو درجته تجلى في محمد صلى الله عليه وسلم من الحسن والجمال ما لا تدركه الأبصار في هذه النشأة لضعف قوة المبصرة الدنيوية كما لا تدرك الأبصار للذات في هذه النشأة، وسيظهر حسنه وجماله في الآخرة فيوسف عليه السلام وإن سلم له في الدنيا ثلثي الحسن، لكن في الآخرة الحسن حسن محمد صلى الله عليه وسلم والجمال جماله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أخي يوسف أصبح وأنا أملح ) والفرق بين الصباحة والملاحة عند المحققين كالفرق بين الشمس والقمر وبين الذهب والفضة شتان ما بينهما، كان حسن يوسف عليه السلام بحيث أحبه يعقوب والخلائق، وكان حسن محمد صلى الله عليه وسلم بحيث أحبه رب يعقوب والخلائق جل جلاله ما للتراب ورب الأرباب وإذا ثبت هذا علم أن الصوفي بعد فناء قلبه لا يشتغل قلبه بغير الله سبحانه، ولا يسع في قلبه محبة أحد من الخلائق، لكن لا ينافي ذلك اشتغال قلبه بمحبة الأنبياء فإن محبتهم عين محبة الله، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )٧ متفق عليه، وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما )٨ متفق عليه. فما قالت رابعة البصرية إن قلبي ممتلئة من حب الله لا يسع فيه محبة محمد صلى الله عليه وسلم خطأ ناشئ من غلبة السكر، وأما ما قال المجدد في بدو حاله أحب الله سبحانه لأنه خلق محمدا صلى الله عليه وس

١ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله تعالى (٢٣٢٢) وأخرجه ابن ماجة في كتاب: الزهد، مثل الدنيا (٤١٨٢)..
٢ سورة ص، الآية: ٤٥..
٣ سورة ص، الآية: ٤٦..
٤ سورة العنكبوت، الآية: ٥..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات (٣٤٦٢)..
٦ أخرجه ابن ماجة في كتاب: الأدب، باب: فضل التسبيح (٣٨٠٧)..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: حب الرسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان (١٥) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد والوالد (٤٤)..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: حلاوة الإيمان (١٦) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان (٤٣)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير