ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

ثم قال تعالى :
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُواْ تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * يا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
قلت : يا أسفي، ويا ويلتي، ويا حسرتي، مما عوض فيه الألف عن ياء المتكلم. والأسف : أشد الحزن. وقيل : شدة الحسرة. و( كظيم ) : إما بمعنى مفعول، كقوله :( وهو مكظوم ) ؛ أي : فهو مملوء غيظاً على أولاده، ممسك له في قلبه، تقول : كظم السقاء ؛ إذا شد على ملئِه. أو بمعنى فاعل ؛ كقوله : وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ [ آل عمران : ١٣٤ ] ؛ من كظم البعير جِرَّتَهُ ؛ إذا ردها في جوفه.
يقول الحق جل جلاله : وتولّى يعقوب عن أولاده، أي : أعرض عنهم لما لم يصدقهم، كراهةً لما صادف منهم، ورجع إلى تأسفه وقال يا أسَفَا أي : يا شدة حزني على يوسف . وإنما تأسف على يوسف دون أخويه لأن محبته كانت أشد ؛ لإفراط محبته فيه، ولأن مصيبته سبقت عليهما. وابيضَّتْ عيناه من كثرة البكاء من الحُزن ، كأَنَّ العَبْرَةَ محقت سوادها، وقيل : ضعف بصره، وقيل : عمي. وقد رُوي أنه :" حَزِنَ يعقُوب حُزْن سبعين ثَكْلَى، وأُعطِي أَجر مائَة شَهيدٍ، وما ساءَ ظَنّه بالله قَطّ ".
وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع. ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف، فإنه قلَّ من يملك نفسه عند الشدائد، وقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :" القلْبُ يَحْزَنُ، والعَيْنُ تَدمَعُ، ولا نَقُولُ إلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا، وإنَّا على فِراقِكَ يا إبراهِيمُ لَمَحْزُونون " ١.
فهو كظيم أي : مملوء غيظاً على أولاده ؛ لما فعلوا. أو كاظم غيظه، ماسك له، لم يظهر منه شيئاً، ولم يَشْكُ لأحد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : لم يتأسف يعقوب عليه السلام على فقد صورة يوسف الحسية، إنما تأسف على فقد ما كان يشاهد فيه من جمال الحق وبهائه، في تجلي يوسف وحسن طلعته البهية، وفي ذلك يقول ابن الفارض :

عَيْني لِغَيْرِ جَمَالِكُمْ لاَ تَنْظُرُ وسِوَاكمُ فِي خَاطِري لا يَخطرُ
فلما فقد ذلك التجلي الجمالي حزن عليه، وإلا فالأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ أولى بالغنى بالله عما سواه. فإذا حصل للقلب الغنى بالله لم يتأسف على شيء، ولم يحزن على شيء ؛ لأنه حاز كل شيء، ولم يفته شيء. " ماذا فقد من وجده، وما الذي وجد من فقده ". ولله در القائل :
أَنَا الفَقِيرُ إِليْكُمُ والْغَنِيُّ بِكُمُ وَلَيْس لِي بَعدَكُمُ حِرْصٌ عَلى أَحدِ
وهذا أمر محقق، مذوق عند العارفين ؛ أهل الغنى بالله. وقوله : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله : فيه رفع الهمة عن الخلق، والاكتفاء بالملك الحق، وعدم الشكوى فيما ينزل إلى الخلق... وهو ركن من أركان طريق التصوف، بل هو عين التصوف. وبالله التوفيق.

١ أخرجه البخاري في الجنائز باب ٤٣، ومسلم في الفضائل حديث ٦٢..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير