ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ

أَرَادَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فِي وَقْتِ السَّحَرِ، لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ أَوْفَقُ الْأَوْقَاتِ لِرَجَاءِ الْإِجَابَةِ. الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَخَّرَ الِاسْتِغْفَارَ إِلَى لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ، لِأَنَّهَا أَوْفَقُ الْأَوْقَاتِ لِلْإِجَابَةِ. الثَّالِثُ: أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُمْ هَلْ تَابُوا فِي الْحَقِيقَةِ أَمْ لَا، وَهَلْ حَصَلَتْ تَوْبَتُهُمْ مَقْرُونَةً بِالْإِخْلَاصِ التَّامِّ أَمْ لَا. الرَّابِعُ: اسْتَغْفَرَ لَهُمْ فِي الْحَالِ، وَقَوْلُهُ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ مَعْنَاهُ أَنِّي أُدَاوِمُ عَلَى هَذَا الِاسْتِغْفَارِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلَ،
فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ فِي نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً،
وَقِيلَ: قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ فَلَمَّا فَرَغَ رَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَزَعِي عَلَى يُوسُفَ وَقِلَّةَ صَبْرِي عَلَيْهِ، وَاغْفِرْ لِأَوْلَادِي مَا فَعَلُوهُ فِي حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ» فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلَهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَرُوِيَ أَنَّ أَبْنَاءَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالُوا لِيَعْقُوبَ وَقَدْ غَلَبَهُمُ الْخَوْفُ وَالْبُكَاءُ: مَا يُغْنِي عَنَّا إِنْ لَمْ يُغْفَرْ لَنَا، فَاسْتَقْبَلَ الشَّيْخُ الْقِبْلَةَ قَائِمًا يَدْعُو، وَقَامَ يُوسُفُ خَلْفَهُ يُؤَمِّنُ وَقَامُوا خَلْفَهُمَا أَذِلَّةً خَاشِعِينَ عِشْرِينَ سَنَةً حَتَّى قَلَّ صَبْرُهُمْ فَظَنُّوا أَنَّهَا الْهَلَكَةُ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ: «إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَجَابَ دَعْوَتَكَ فِي وَلَدِكَ وَعَقَدَ مَوَاثِيقَهُمْ بَعْدَكَ عَلَى النُّبُوَّةِ»
وَقَدِ اختلف الناس في نبوتهم وهو مشهور.
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٩ الى ١٠٠]
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)
اعْلَمْ أَنَّهُ
رُوِيَ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَّهَ إِلَى أَبِيهِ جَهَازًا، وَمِائَتَيْ رَاحِلَةٍ لِيَتَجَهَّزَ إِلَيْهِ بِمَنْ مَعَهُ وَخَرَجَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْمَلِكُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنَ الْجُنْدِ وَالْعُظَمَاءِ وَأَهْلِ مِصْرَ بِأَجْمَعِهِمْ تَلَقَّوْا يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يَمْشِي يَتَوَكَّأُ عَلَى يَهُودَا فَنَظَرَ إِلَى الْخَيْلِ والناس فقال يا يهوذا هَذَا فِرْعَوْنُ مِصْرَ. قَالَ: لَا هَذَا وَلَدُكَ يُوسُفُ فَذَهَبَ يُوسُفُ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ
وَقِيلَ إِنَّ يَعْقُوبَ وَوَلَدَهُ دَخَلُوا مِصْرَ وَهُمُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَخَرَجُوا مِنْهَا مَعَ مُوسَى وَالْمُقَاتِلُونَ مِنْهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسُمِائَةٍ وَبِضْعٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا سِوَى الصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ فَفِيهِ بَحْثَانِ:
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ أَبَوَيْهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقِيلَ إِنَّ أُمَّهُ كَانَتْ بَاقِيَةً حَيَّةً إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقِيلَ إِنَّهَا كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ، إِلَّا أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَحْيَاهَا وَأَنْشَرَهَا مِنْ قَبْرِهَا حَتَّى سَجَدَتْ لَهُ تَحْقِيقًا لِرُؤْيَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ أَبُوهُ وَخَالَتُهُ، لِأَنَّ أُمَّهُ مَاتَتْ فِي النِّفَاسِ بِأَخِيهِ بِنْيَامِينَ، وَقِيلَ: بِنْيَامِينُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ ابْنُ الْوَجَعِ، وَلَمَّا مَاتَتْ أُمُّهُ تَزَوَّجَ أَبُوهُ بِخَالَتِهِ فَسَمَّاهَا اللَّه تعالى بأحد الأبوين، لأن/ الراية تُدْعَى، أُمًّا لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْأُمِّ أَوْ لِأَنَّ الْخَالَةَ أَمٌّ كَمَا أَنَّ الْعَمَّ أَبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [الْبَقَرَةِ:
١٣٣].
الْبَحْثُ الثَّانِي: آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ضَمَّهُمَا إليه واعتنقهما.

صفحة رقم 509

فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ قَبْلَ دخولهم مصر؟
قلنا: كأنه حين استقيلهم نَزَلَ بِهِمْ فِي بَيْتٍ هُنَاكَ أَوْ خَيْمَةٍ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَضَمَّ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: ادْخُلُوا مِصْرَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ فَفِيهِ أَبْحَاثٌ:
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: قَالَ السُّدِّيُّ إِنَّهُ قَالَ: هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ مِصْرَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَقْبَلَهُمْ وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ادْخُلُوا مِصْرَ أَيْ أَقِيمُوا بِهَا آمِنِينَ، سَمَّى الْإِقَامَةَ دُخُولًا لِاقْتِرَانِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: الِاسْتِثْنَاءُ وَهُوَ قَوْلُ: إِنْ شاءَ اللَّهُ فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الْأَمْنِ لَا إِلَى الدُّخُولِ، وَالْمَعْنَى: ادْخُلُوا مِصْرَ آمِنِينَ إِنْ شَاءَ اللَّه، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الْفَتْحِ: ٢٧] وَقِيلَ إِنَّهُ عَائِدٌ إِلَى الدُّخُولِ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إِنَّهُ قَالَ لَهُمْ هَذَا الْكَلَامَ قَبْلَ أَنْ دَخَلُوا مِصْرَ.
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: آمِنِينَ يَعْنِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ لَا تَخَافُونَ أَحَدًا، وَكَانُوا فِيمَا سَلَفَ يَخَافُونَ مُلُوكَ مِصْرَ وَقِيلَ آمِنِينَ مِنَ الْقَحْطِ وَالشِّدَّةِ وَالْفَاقَةِ، وَقِيلَ آمِنِينَ مِنْ أَنْ يَضُرَّهُمْ يُوسُفُ بِالْجُرْمِ السَّالِفِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْعَرْشُ السَّرِيرُ الرَّفِيعُ قَالَ تَعَالَى: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] والمراد بالعرش هاهنا السَّرِيرُ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ يُوسُفُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً فَفِيهِ إِشْكَالٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَبَا يُوسُفَ وَحَقُّ الْأُبُوَّةِ عَظِيمٌ قَالَ تَعَالَى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [الْإِسْرَاءِ: ٢٣] فَقَرَنَ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ بِحَقِّ نَفْسِهِ، وَأَيْضًا أَنَّهُ كَانَ شَيْخًا، وَالشَّابُّ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْظِيمُ الشَّيْخِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَيُوسُفُ وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا إِلَّا أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ أَعْلَى حَالًا مِنْهُ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ جِدَّ يَعْقُوبَ وَاجْتِهَادَهُ فِي تَكْثِيرِ الطَّاعَاتِ أَكْثَرُ مِنْ جِدِّ يُوسُفَ وَلَمَّا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْجِهَاتُ الكثيرة فهذا يُوجِبُ أَنْ يُبَالِغَ يُوسُفُ فِي خِدْمَةِ يَعْقُوبَ فَكَيْفَ اسْتَجَازَ يُوسُفُ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ يَعْقُوبُ هَذَا تَقْرِيرُ السُّؤَالِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ خَرُّوا لَهُ أَيْ لِأَجْلِ وِجْدَانِهِ سَجَدَا للَّه تَعَالَى، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ: أَنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ كَانَ سُجُودًا لِلشُّكْرِ فَالْمَسْجُودُ لَهُ هُوَ اللَّه، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً مُشْعِرٌ بِأَنَّهُمْ صَعِدُوا ذَلِكَ السَّرِيرَ، ثُمَّ سَجَدُوا لَهُ، وَلَوْ أَنَّهُمْ سَجَدُوا لِيُوسُفَ لَسَجَدُوا لَهُ قَبْلَ الصُّعُودِ عَلَى السَّرِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدْخَلُ فِي التَّوَاضُعِ.
فَإِنْ قَالُوا: فَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا يُطَابِقُ قوله: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [يوسف: ٤].

صفحة رقم 510

قُلْنَا: بَلْ هَذَا مُطَابِقٌ وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ لِأَجْلِي أَيْ أَنَّهَا سَجَدَتْ للَّه لِطَلَبِ مَصْلَحَتِي وَلِلسَّعْيِ فِي إِعْلَاءِ مَنْصِبِي، وَإِذَا كَانَ هَذَا مُحْتَمَلًا سَقَطَ السُّؤَالُ. وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ مُتَعَيَّنٌ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَبْعَدُ مِنْ عَقْلِ يُوسُفَ وَدِينِهِ أَنْ يَرْضَى بِأَنْ يَسْجُدَ لَهُ أَبُوهُ مَعَ سَابِقَتِهِ فِي حُقُوقِ الْوِلَادَةِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالْعِلْمِ وَالدِّينِ وَكَمَالِ النُّبُوَّةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ جَعَلُوا يُوسُفَ كَالْقِبْلَةِ وَسَجَدُوا للَّه شُكْرًا لِنِعْمَةِ وِجْدَانِهِ. وَهَذَا التَّأْوِيلُ حَسَنٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ: صَلَّيْتُ لِلْكَعْبَةِ كَمَا يُقَالُ: صَلَّيْتُ إِلَى الْكَعْبَةِ. قَالَ حَسَّانُ شِعْرًا:

مَا كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الْأَمْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنِ
أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ وَأَعْرَفَ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ صَلَّى لِلْقِبْلَةِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ سَجَدَ لِلْقِبْلَةِ وَقَوْلُهُ: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً أَيْ جَعَلُوهُ كَالْقِبْلَةِ ثُمَّ سَجَدُوا للَّه شُكْرًا لِنِعْمَةِ وِجْدَانِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الْجَوَابِ قَدْ يُسَمَّى التَّوَاضُعُ سُجُودًا كَقَوْلِهِ:
تَرَىَ الْأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ
وَكَانَ المراد هاهنا التَّوَاضُعَ إِلَّا أَنَّ هَذَا مُشْكِلٌ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَالْخُرُورُ إِلَى السَّجْدَةِ مُشْعِرٌ بِالْإِتْيَانِ بِالسَّجْدَةِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْخُرُورَ قَدْ يُعْنَى بِهِ الْمُرُورُ فَقَطْ قَالَ تَعَالَى: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً [الْفُرْقَانِ: ٧٣] يَعْنِي لَمْ يَمُرُّوا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِي الْجَوَابِ أَنْ نَقُولَ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَخَرُّوا لَهُ غَيْرُ عَائِدٍ إِلَى الْأَبَوَيْنِ لَا مَحَالَةَ، وَإِلَّا لَقَالَ: وَخَرُّوا لَهُ سَاجِدِينَ، بَلِ الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى إِخْوَتِهِ، وَإِلَى سَائِرِ مَنْ كَانَ يَدْخُلُ/ عَلَيْهِ لِأَجْلِ التَّهْنِئَةِ.
وَالتَّقْدِيرُ: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ مُبَالَغَةً فِي تَعْظِيمِهِمَا، وَأَمَّا الْإِخْوَةُ وَسَائِرُ الدَّاخِلِينَ فَخَرُّوا لَهُ سَاجِدِينَ.
فَإِنْ قالوا: فهذا لا يلائم قوله: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ.
قُلْنَا: إِنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلرُّؤْيَا بِحَسَبِ الصُّورَةِ وَالصِّفَةِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ فَسُجُودُ الْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، تَعْبِيرٌ عَنْ تَعْظِيمِ الْأَكَابِرِ مِنَ النَّاسِ لَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَهَابَ يَعْقُوبَ مَعَ أَوْلَادِهِ مِنْ كَنْعَانَ إِلَى مِصْرَ لِأَجْلِهِ فِي نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ لَهُ، فَكَفَى هَذَا الْقَدْرُ فِي صِحَّةِ الرُّؤْيَا فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ مُسَاوِيًا لِأَصْلِ الرُّؤْيَا فِي الصِّفَةِ وَالصُّورَةِ فَلَمْ يُوجِبْهُ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: فِي الْجَوَابِ لَعَلَّ الْفِعْلَ الدَّالَّ عَلَى التَّحِيَّةِ وَالْإِكْرَامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ هُوَ السُّجُودُ، وَكَانَ مَقْصُودُهُمْ مِنَ السُّجُودِ تَعْظِيمَهُ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّعْظِيمِ كَانَتْ أَلْيَقَ بِيُوسُفَ مِنْهَا بِيَعْقُوبَ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتُمْ، لَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ يَسْجُدَ يُوسُفُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَالْوَجْهُ السَّادِسُ: فِيهِ أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ إِخْوَتَهُ حَمَلَتْهُمُ الْأَنَفَةُ وَالِاسْتِعْلَاءُ عَلَى أَنْ لَا يَسْجُدُوا لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ، وَعَلِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِثَوَرَانِ الْفِتَنِ وَلِظُهُورِ الْأَحْقَادِ الْقَدِيمَةِ بَعْدَ كُمُونِهَا فَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَعِظَمِ حَقِّهِ بِسَبَبِ الْأُبُوَّةِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الدِّينِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْعِلْمِ فَعَلَ ذَلِكَ السُّجُودَ، حَتَّى تَصِيرَ مُشَاهَدَتُهُمْ لِذَلِكَ سَبَبًا لِزَوَالِ الْأَنَفَةِ وَالنَّفْرَةِ عَنْ قُلُوبِهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّ

صفحة رقم 511

السُّلْطَانَ الْكَبِيرَ إِذَا نَصَّبَ مُحْتَسِبًا فَإِذَا أَرَادَ تَرْتِيبَهُ مَكَّنَهُ فِي إِقَامَةِ الْحِسْبَةِ عَلَيْهِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي أَنْ لَا يَبْقَى فِي قَلْبِ أَحَدٍ مُنَازَعَةُ ذَلِكَ الْمُحْتَسِبِ فِي إِقَامَةِ الحسبة فكذا هاهنا.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: لَعَلَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ يَعْقُوبَ بِتِلْكَ السَّجْدَةِ لِحِكْمَةٍ خَفِيَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا هُوَ كَمَا أَنَّهُ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ لِحِكْمَةٍ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا هُوَ، وَيُوسُفُ مَا كَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ فِي قَلْبِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّه أَمَرَهُ بِذَلِكَ سَكَتَ.
ثُمَّ حَكَى تَعَالَى أَنَّ يُوسُفَ لَمَّا رَأَى هذه الحالة: قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَفِيهِ بَحْثَانِ:
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: إِنَّهُ لَمَّا رَأَى سُجُودَ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ هَالَهُ ذَلِكَ وَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنْهُ، وَقَالَ لِيَعْقُوبَ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ، وَأَقُولُ: هَذَا يُقَوِّي الْجَوَابَ السَّابِعَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَا أَبَتِ لَا يَلِيقُ بِمِثْلِكَ عَلَى جَلَالَتِكَ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالنُّبُوَّةِ أَنْ تَسْجُدَ لِوَلَدِكَ إِلَّا أَنَّ هَذَا/ أَمْرٌ أُمِرْتَ بِهِ وَتَكْلِيفٌ كُلِّفْتَ بِهِ، فَإِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ كَمَا أَنَّ رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ ذَبْحَ وَلَدِهِ صَارَ سَبَبًا لِوُجُوبِ ذَلِكَ الذَّبْحِ عَلَيْهِ فِي الْيَقَظَةِ فَكَذَلِكَ صَارَتْ هَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا يُوسُفُ وَحَكَاهَا لِيَعْقُوبَ سَبَبًا لِوُجُوبِ ذَلِكَ السُّجُودِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ حَكَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ هَالَهُ وَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا، وَأَقُولُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ تَشْدِيدِ اللَّه تَعَالَى عَلَى يَعْقُوبَ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ كُنْتَ دَائِمَ الرَّغْبَةِ فِي وِصَالِهِ وَدَائِمَ الْحُزْنِ بِسَبَبِ فِرَاقِهِ، فَإِذَا وَجَدْتَهُ فَاسْجُدْ لَهُ، فكان الأمر بذلك السجود من تمام الشديد. واللَّه أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْمُدَّةِ بَيْنَ هَذَا الْوَقْتِ وَبَيْنَ الرُّؤْيَا فَقِيلَ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سَبْعُونَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ إِنَّ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا إِنَّمَا صَحَّتْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ أُلْقِيَ فِي الْجُبِّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَبَقِيَ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَالسُّجُونِ ثَمَانِينَ سَنَةً، ثُمَّ وَصَلَ إِلَى أَبِيهِ وَأَقَارِبِهِ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فَكَانَ عُمُرُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً واللَّه أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ.
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي أَيْ إِلَيَّ يُقَالُ: أحسن بي وإليه. قَالَ كُثَيِّرٌ:

أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَةٌ لدينا ولا مقلية إن ثقلت
إذا أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ إِخْرَاجَهُ مِنَ الْبِئْرِ لِوُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قَالَ لِإِخْوَتِهِ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَوْ ذَكَرَ وَاقِعَةَ الْبِئْرِ لَكَانَ ذَلِكَ تَثْرِيبًا لَهُمْ فَكَانَ إِهْمَالُهُ جَارِيًا مَجْرَى الْكَرَمِ، الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْبِئْرِ لَمْ يَصِرْ مَلِكًا بَلْ صَيَّرُوهُ عَبْدًا، أَمَّا لَمَّا خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ صَيَّرُوهُ مَلِكًا فَكَانَ هَذَا الْإِخْرَاجُ أَقْرَبَ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِنْعَامًا كَامِلًا، الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا أُخْرِجَ مِنَ الْبِئْرِ وَقَعَ فِي الْمَضَارِّ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِ تُهْمَةِ الْمَرْأَةِ فَلَمَّا أُخْرِجَ مِنَ السِّجْنِ وَصَلَ إِلَى أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ وَزَالَتِ التُّهْمَةُ فَكَانَ هَذَا أَقْرَبَ إِلَى الْمَنْفَعَةِ، الرَّابِعُ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ: النِّعْمَةُ فِي إِخْرَاجِهِ مِنَ السِّجْنِ أَعْظَمُ لِأَنَّ دُخُولَهُ فِي السِّجْنِ كَانَ بِسَبَبِ ذَنْبٍ هَمَّ بِهِ، وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَيْلِ الطَّبْعِ وَرَغْبَةِ النَّفْسِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي مَحَلِّ الْعَفْوِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلْمُؤَاخَذَةِ فِي حَقِّهِ لِأَنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سيئات المقربين.

صفحة رقم 512

ثُمَّ قَالَ: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي الْآيَةِ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: جَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ أَيْ مِنَ البادية، وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْبَدْوُ بَسِيطٌ مِنَ الْأَرْضِ يَظْهَرُ فِيهِ الشَّخْصُ مِنْ بَعِيدٍ وَأَصْلُهُ مِنْ بَدَا يَبْدُو بُدُوًّا، ثُمَّ سُمِّيَ الْمَكَانُ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ فَيُقَالُ: بَدْوٌ/ وَحَضَرٌ وَكَانَ يَعْقُوبُ وَوَلَدُهُ بِأَرْضِ كَنْعَانَ أَهْلَ مَوَاشٍ وَبَرِّيَّةٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا كَانَ يَعْقُوبُ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى بَدَا وَسَكَنَهَا، وَمِنْهَا قَدِمَ عَلَى يُوسُفَ وَلَهُ بِهَا مَسْجِدٌ تَحْتَ جَبَلِهَا قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: بَدَا اسْمُ مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ يقال هو بين شعب وَبَدَا وَهُمَا مَوْضِعَانِ ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا كُثَيِّرٌ فَقَالَ:

وأنت التي حببت شعبا إِلَى بَدَا إِلَيَّ وَأَوْطَانِي بِلَادٌ سِوَاهُمَا
فَالْبَدْوُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَعْنَاهُ قَصْدُ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بَدَا يُقَالُ بَدَا الْقَوْمُ يَبْدُونَ بَدْوًا إِذَا أَتَوْا بَدَا كَمَا يُقَالُ: غَارَ الْقَوْمُ غَوْرًا إِذَا أَتَوُا الْغَوْرَ فَكَانَ مَعْنَى الْآيَةِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ قَصْدِ بَدَا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَانَ يَعْقُوبُ وَوَلَدُهُ حَضَرِيِّينَ لِأَنَّ الْبَدْوَ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْبَادِيَةَ لَكِنْ عنى به قصد بدا إلى هاهنا كَلَامٌ قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ فِي «الْبَسِيطِ».
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: تَمَسَّكَ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ خَلْقُ اللَّه تَعَالَى، لِأَنَّ خُرُوجَ الْعَبْدِ مِنَ السِّجْنِ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ومجيئهم من البدو وأضافه إِلَى نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ فِعْلُ اللَّه تَعَالَى وَحُمِلَ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا حَصَلَ بِإِقْدَارِ اللَّه تَعَالَى وَتَيْسِيرِهِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ.
ثُمَّ قَالَ: مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : نَزَغَ أَفْسَدَ بَيْنَنَا وَأَغْوَى وَأَصْلُهُ مِنْ نَزَغَ الرَّاكِضُ الدَّابَّةَ وَحَمَلَهَا عَلَى الْجَرْيِ: يُقَالُ: نَزَغَهُ وَنَسَغَهُ إِذَا نَخَسَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُبَّائِيَّ وَالْكَعْبِيَّ وَالْقَاضِيَ: احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى بُطْلَانِ الْجَبْرِ قَالُوا: لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ أَضَافَ الْإِحْسَانَ إِلَى اللَّه وَأَضَافَ النَّزْغَ إِلَى الشَّيْطَانِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنَ الرَّحْمَنِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يُنْسَبَ إِلَّا إِلَيْهِ كَمَا فِي النِّعَمِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ إِضَافَتَهُ هَذَا الْفِعْلَ إِلَى الشَّيْطَانِ مَجَازٌ، لِأَنَّ عِنْدَكُمُ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْكَلَامِ الْخَفِيِّ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] فَثَبَتَ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي إِضَافَةَ هَذَا الْفِعْلِ إِلَى الشَّيْطَانِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ إِقْدَامُ الْمَرْءِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِسَبَبِ الشَّيْطَانِ فَإِقْدَامُ الشَّيْطَانِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ إِنْ كَانَ بِسَبَبِ شَيْطَانٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَهُوَ مُحَالٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ شَيْطَانٍ آخَرَ فَلْيُقَلْ مِثْلُهُ فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ، فَثَبَتَ أَنَّ إِقْدَامَ الْمَرْءِ عَلَى الْجَهْلِ وَالْفِسْقِ لَيْسَ بِسَبَبِ الشَّيْطَانِ وَلَيْسَ أَيْضًا بِسَبَبِ نَفْسِهِ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَى اخْتِيَارِ الْجَهْلِ وَالْفِسْقِ الَّذِي يُوجِبُ وُقُوعَهُ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا وَعِقَابِ الْآخِرَةِ، وَلَمَّا كَانَ وُقُوعُهُ فِي الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوقِعٍ، وَقَدْ بَطَلَ الْقِسْمَانِ لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ مِنَ اللَّه تَعَالَى، ثُمَّ الَّذِي/ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ إِنَّ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْكُلَّ مِنَ اللَّه تعالى.

صفحة رقم 513

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية