ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦ

والسَّقْفُ: حَقِيقَتُهُ غِطَاءُ الْفَرَاغِ الَّذِي بَيْنَ جُدْرَانِ الْبَيْتِ، يُجْعَلُ على الجدران وَيكون مِنْ حَجَرٍ وَمِنْ أَعْوَادٍ، وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِمَا اسْتُعِيرَ لَهُ الْبِنَاءُ.
ومِنْ فَوْقِهِمْ تَأْكِيد لجملة فَسخرَ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ.
وَمِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الِاسْتِعَارَاتِ تَتَرَكَّبُ الِاسْتِعَارَةُ التَّمْثِيلِيَّةُ. وَهِيَ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ مَكَرُوا فِي الْمَنَعَةِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِسُرْعَةٍ وَأَزَالَ تِلْكَ الْعِزَّةَ بِهَيْئَةِ قَوْمٍ أَقَامُوا بُنْيَانًا عَظِيمًا ذَا دَعَائِمَ وَآوَوْا إِلَيْهِ فَاسْتَأْصَلَهُ اللَّهُ مِنْ قَوَاعِدِهِ فَخَرَّ سَقْفُ الْبِنَاءِ دُفْعَةً عَلَى أَصْحَابِهِ فَهَلَكُوا جَمِيعًا. فَهَذَا من أبدع التَّمْثِيلِيَّةِ لِأَنَّهَا تَنْحَلُّ إِلَى عِدَّةِ اسْتِعَارَاتٍ.
وَجُمْلَةُ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ. وأل فِي الْعَذابُ لِلْعَهْدِ فَهِيَ مُفِيدَةٌ مَضْمُونَ قَوْلِهِ مِنْ فَوْقِهِمْ مَعَ زِيَادَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ. فَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَرَدَتْ مَعْطُوفَةً لِحُصُولِ الْمُغَايَرَةِ وَإِلَّا فَإِن شَأْن الموكدة أَنْ لَا تُعْطَفَ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَذَابَ الْمَذْكُورَ حَلَّ بِهِمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَإِن الْأَخْذ فجأ أَشَدُّ نِكَايَةً لِمَا يَصْحَبُهُ مِنَ الرُّعْبِ الشَّدِيدِ بِخِلَافِ الشَّيْءِ الْوَارِدِ تَدْرِيجًا فَإِنَّ
النَّفْسَ تَتَلَقَّاهُ بِصَبْرٍ.
[٢٧]
[سُورَة النَّحْل (١٦) : آيَة ٢٧]
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧)
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ.
عَطْفٌ عَلَى لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [سُورَة النَّحْل: ٢٥]، لِأَنَّ ذَلِكَ وَعِيدٌ لَهُمْ وَهَذَا تَكْمِلَةٌ لَهُ.
وَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يُخْزِيهِمْ عَائِدٌ إِلَى مَا عَادَ إِلَيْهِ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ [سُورَة النَّحْل: ٢٤]. وَذَلِكَ عَائِد إِلَى فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [سُورَة النَّحْل: ٢٢].

صفحة رقم 135

وَ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ، فَإِنَّ خِزْيَ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ مِنَ اسْتِئْصَالِ نَعِيمِ الدُّنْيَا.
وَالْخِزْيُ: الْإِهَانَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٨٥].
وَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمَامِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُ يَوْمُ الْأَحْوَالِ الْأَبَدِيَّةِ فَمَا فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ مُهَوِّلٌ لِلسَّامِعِينَ.
وأَيْنَ لِلِاسْتِفْهَامِ عَنِ الْمَكَانِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْعِلْمَ بِوُجُودِ مَنْ يَحُلُّ فِي الْمَكَانِ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَقَامُ هُنَا مَقَامَ تَهَكُّمٍ كَانَ الِاسْتِفْهَامُ عَنِ الْمَكَانِ مُسْتَعْمَلًا فِي التَّهَكُّمِ لِيَظْهَرَ لَهُمْ كَالطَّمَاعِيَةِ لِلْبَحْثِ عَنْ آلِهَتِهِمْ، وَهُمْ عَلِمُوا أَنْ لَا وُجُودَ لَهُمْ وَلَا مَكَانَ لِحُلُولِهِمْ.
وَإِضَافَةُ الشُّرَكَاءِ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ زِيَادَةٌ فِي التَّوْبِيخِ، لِأَنَّ مَظْهَرَ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَئِذٍ لِلْعَيَانِ يُنَافِي أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، فَالْمُخَاطَبُونَ عَالِمُونَ حِينَئِذٍ بِتَعَذُّرِ الْمُشَارَكَةِ.
وَالْمَوْصُولُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى ضَلَالِهِمْ وَخَطَئِهِمْ فِي ادِّعَاءِ الْمُشَارَكَةِ مِثْلُ الَّذِي فِي قَوْلِ عَبْدَةَ:

إِنَّ الَّذِينَ تَرَوْنَهُمْ إِخْوَانَكُمْ يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أَنْ تُصْرَعُوا
وَالْمُشَاقَّةُ: الْمُشَادَّةُ فِي الْخُصُومَةِ، كَأَنَّهَا خُصُومَةٌ لَا سَبِيلَ مَعَهَا إِلَى الْوِفَاقِ، إِذْ قَدْ صَارَ كُلُّ خَصْمٍ فِي شِقٍّ غَيْرِ شَقِّ الْآخَرِ.
وَقَرَأَ نَافِع تشقون- بِكَسْرِ النُّونِ- عَلَى حَذْفِ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ، أَيْ تُعَانِدُونَنِي، وَذَلِكَ بِإِنْكَارِهِمْ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَرَأَ الْبَقِيَّةُ تُشَاقُّونَ- بِفَتْحِ النُّونِ- وَحَذْفِ الْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ، أَيْ تُعَانِدُونَ مَنْ يَدْعُوكُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ.
وَ (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ مَعَ حَذْفِ مُضَافٍ، إِذِ الْمُشَاقَّةُ لَا تَكُونُ فِي الذَّوَاتِ بَلْ فِي الْمَعَانِي. وَالتَّقْدِيرُ: فِي إِلَهِيَّتِهِمْ أَوْ فِي شَأْنِهِمْ.

صفحة رقم 136

قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ جُمْلَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ حَكَتْ قَوْلَ أَفَاضِلِ الْخَلَائِقِ حِينَ يَسْمَعُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ مَلَائِكَةِ الْعَذَابِ: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ.
وَجِيءَ بِجُمْلَةِ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الْجَوَابِ لِقَوْلِهِ: أَيْنَ شُرَكائِيَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ابْتَدَرُوا الْجَوَابَ لَمَّا وَجَمَ الْمُشْرِكُونَ فَلَمْ يُحِيرُوا جَوَابًا، فَأَجَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ جَوَابًا جَامِعًا لِنَفْيِ أَنْ يَكُونَ الشُّرَكَاءُ الْمَزْعُومُونَ مُغْنِينَ عَنِ الَّذِينَ أَشْرَكُوا شَيْئًا، وَأَنَّ الْخِزْيَ وَالسُّوءَ أَحَاطَا بالكافرين.
وَالتَّعْبِير بالماضي لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ الْقَوْلِ.
وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ هُمُ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ عِلْمَ الْحَقَائِقِ مِنَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ- عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَالْمُؤْمِنُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ [سُورَة الرّوم: ٥٦]، أَيْ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ مِنْ جَرَّاءِ مَا يُشَاهِدُوا مِنْ مُهَيَّأِ الْعَذَابِ لِلْكَافِرِينَ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى حَصْرِ الْخِزْيِ وَالضُّرِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْكَوْنِ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَهُوَ قصر ادعائي لبلوغ الْمُعَرَّفُ بِلَامِ الْجِنْسِ حَدِّ النِّهَايَةِ فِي جِنْسِهِ حَتَّى كَأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ جِنْسِهِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ.
وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وَبِصِيغَةِ الْقَصْرِ وَالْإِتْيَانِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلَاءِ الدَّالِّ عَلَى تَمَكُّنِ الْخِزْيِ وَالسُّوءِ مِنْهُمْ يُفِيدُ مَعْنَى التَّعَجُّبِ مِنْ هَوْلِ مَا أعدّ لَهُم.

صفحة رقم 137

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية