تفسير المفردات : فلا تضربوا لله الأمثال ، أي : لا تجعلوا له الأنداد والنظراء، فهو كقوله : لا تجعلوا لله أندادا [ البقرة : ٢٢ ]، وضرب المثل للشيء : ذكر الشبيه له، ليوضح حاله المبهمة، ويزيل ما عرض من الشك في أمره.
المعنى الجملي : بعد أن بين عزت قدرته دلائل التوحيد البيان الشافي فيما سلف –أردف ذلك الرد على عابدي الأوثان والأصنام، فضرب لذلك مثلين يؤكد بهما إبطال عبادتها : ، أولهما : العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والحر الكريم الغني الإنفاق سرا وجهرا، ولفت النظر إلى أنهما : هل يكونان في نظر العقل سواء مع تساويهما في الخلق والصورة البشرية ؟ وإذا امتنع ذلك فكيف ينبغي أن يسوى بين القادر على الرزق والإفضال، والأصنام التي لا تملك ولا تقدر على النفع والضر.
والثاني : مثل رجلين : أحدهما : أبكم عاجز لا يقدر على تحصيل خير وهو عبء ثقيل على سيده، وثانيهما : حوّل قلّب ناطق كامل القدرة، أيستويان لدى أرباب الفكر مع استوائهما في البشرية ؟ وإذا فكيف يدور بخلد عاقل مساواة الجماد برب العالمين في الألوهية والعبادة ؟
قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان، ومولى له كافر يسمى أسيد ابن أبي العاص، كان يكره الإسلام، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤونة، وكان المولى ينهاه عن الصدقة والمعروف.
الإيضاح : وبعد أن بين ضعفها وعجزها، رتب على ذلك ما هو كالنتيجة له فقال :
فلا تضربوا لله الأمثال ، أي : فلا تجعلوا لله مثلا ولا تشبهوه بخلقه، فإنه لا مثل له ولا شبيه.
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، أنه قال في الآية : أي : لا تجعلوا معي إلها غيري، فإنه لا إله غيري.
ثم هددهم على عظيم جرمهم، وكبير ما اجترحوا من الكفر والمعاصي فقال :
إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ، أي : إن الله يعلم كنه ما تفعلون من الإجرام وعظيم الآثام، وهو معاقبكم عليه أشد العقاب، وأنتم لا تعلمون حقيقته ولا مقدار عقابه، ومن ثم صدر ذلك منكم، وتجاسرتم عليه، ونسبتم إلى الأصنام ما لم يصدر منها، ولا هي منه في قليل ولا كثير.
تفسير المراغي
المراغي