تمهيد :
تشنّع الآيات على الكافرين، في عبادتهم الأصنام والأوثان، مع عجزها وعدم قدرتها على رزق الآخرين، وتنهى أن يجعل لله ندّا أو مثيلا، فهو سبحانه لا ند له ولا نظير، ثم ضرب سبحانه مثلا، قارن فيه بن عبد مملوك قاصر قليل الحيلة، وحر متحرك ينفق سرا وجهرا هل يستويان ؟، وإذا امتنع ذلك فكيف يسوي المشركون القادر الرازق، والأصنام التي لا تملك ولا تقدر على النفع والضر.
والمثل الثاني : مثل رجلين :
أحدهما : أبكم عاجز لا يقدر على تحصيل خير، وهو عبء ثقيل على سيده.
وثانيهما : رجل يأمر غيره بالعدل، وهو متحدث ناطق ناصح لغيره، جامع لخصال الخير في نفسه، متعدد المواهب والمزايا، نافع لنفسه وللآخرين، وفيه أيضا مقارنة بين صم لا يسمع ولا ينفع، وبين رب قادر خالق رازق سميع مجيب.
المفردات :
فلا تضربوا لله الأمثال : لا تجعلوا له الأنداد والنظراء ؛ فهو كقوله : فلا تجعلوا لله أندادا ( البقرة : ٢٢ )، وضرب المثل للشيء، ذكر الشبيه له والمثيل، مع أنه سبحانه منزه عن ذلك، قال تعالى : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( الشورى : ١١ ).
التفسير :
فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون . أي : ليس لله مثال حتى تضربوا له الأمثال، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ( الشورى : ١١ ).
قال الزجاج :
ورد : أن المشركين كانوا يقولون : إن إله العالم أجلّ من أن يعبده الواحد منا، فكانوا يتوسلون إليه بالأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن ذلك. اه.
فالله سبحانه : أقرب إلينا من حبل الوريد، وقد فتح بابه للداعين والتائبين، والقاصدين في كل وقت وحين، وهو سبحانه يقبل عباده، الغني والفقير، والكبير والصغير، والسوقة والأمير، والمذنب والطائع، فلا يجوز أن تقاس أحوال الخلائق على أحوال الخالق، قال تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ( البقرة : ١٨٦ ).
أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أنه قال : فلا تضربوا لله الأمثال . أي : لا تجعلوا معي إلها غيري، فإنه لا إله غيري. اه.
إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون . إن الله يعلم كنه ما تفعلون من الإجرام، وعظيم الآثام، وأنتم لا تعلمون حقيقته، ولا مقدار عقابه، أو إن الله هو الذي يعلم كيف تضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون ذلك.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة