فَوَحَّدَ يَمْلِكُ على لفظ (ما) (١) وجمع يستطيعون على المعنى (٢).
٧٤ - وقوله تعالى: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ قال المفسرون: يعني لا تُشَبِّهُوهُ بخلقه (٣)، وقال الزجاج: أي لا تجعلوا لله مِثْلاً؛ لأنه واحدٌ لا مِثْلَ له (٤)، فعلى هذا ضَرْبُ المَثَل، استُعْمِل في التَّشْبِيه؛ لأن أكثرَ ما يُضْرَب المَثْلُ إنما يُضْرب لتشبيه وصف بوصف أو ذات بذات، وتعالى الله عن أن يُشْبِهَ شيئًا أو يُشْبِهَهُ شيءٌ في ذاته وصفاته.
وقوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ قال ابن عباس: يريد ما يكون قبل أن يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة (٥)، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ: قَدْرَ عظمتي؛ حيث أشركتم بي وعَجَّزْتُمُوني أن أبعثَ خلقي.
٧٥ - قوله تعالى: ضَرَبَ الله مَثَلًا أي بَيَّنَ الله شِبْهًا فيه بيانٌ للمقصود، ثم ذكر ذلك فقال: عَبْدًا مَمْلُوكًا إلى قوله: سِرًّا وَجَهْرًا قال مجاهد في هذه الآية والتي تليها: كل هذا مَثَلُ إله الحق وما يُدْعَى من
(٢) ورد في "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١١٠ بنصه، وأغلب الظن أنه اقتبسه منه بدون عزو.
(٣) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" ١/ ٢٠٥ أ، والطبري ١٤/ ١٤٨، وهود الهواري ٢/ ٣٧٩، والثعلبي ٢/ ١٦٠ أ، والطوسي ٦/ ٤٠٨، وانظر: "تفسير البغوي" ٣/ ٧٨، وابن الجوزي ٤/ ٤٧١، والفخر الرازي ٢٠/ ٨٢، والخازن ٣/ ١٢٦.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢١٣، بنصه.
(٥) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٤٢٢، بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٤٧١، وورد عن بعض المفسرين قولٌ آخر في الآية، لعله أكثر مناسبة للسياق، قالوا: المعنى: والله يعلم ما يستحقه وما يليق به من وصف الكمال وأنتم لا تعلمون؛ لذلك تجعلون له أشباهًا وأمثالاً لا تليق به سبحانه. انظر: "تفسير الطبري" ١٤/ ١٤٨، والشعبي ٢/ ١٦٠ أ، وابن الجوزى ٤/ ٤٧١.
دونه من الباطل (١).
وقال السُّدي: هذا مَثَلٌ ضربه الله للآلهة؛ يقول: كما لا يستوي عندكم عبد مملوك لا يقدر من أمره على شيء ورجل حُرٌّ قد رُزق رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سِرًّا وجَهرًا لا يخاف من أحد، فكذلك أنا وهذه الآلهة التي تَدْعُون، ليست تملك شيئًا وأنا الذي أملك وأرزق مَنْ شئت (٢)، وهذا القول هو اختيار الفراء (٣)، والزجاج قال: بَيَّنَ اللهُ لهم أمرَ ضلالتهم وبعدهم عن الطريق في عبادتهم الأوثان، فذكر أن المالك المقتدر على الإنفاق والعاجز الذي لا يقدر أن ينفق لا يستويان، فكيف يُسَوَّى بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل وبين الله الذي هو على كل شيء قدير، وهو رازقُ جميع خلقه (٤).
وفي الآية قول آخر، وهو: أن هذا مثل للمؤمن والكافر؛ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل بن هشام وأبا بكر الصديق (٥)، وقال قتادة:
(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٤٢٢، بنصه.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١١١، بمعناه.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢١٣، بتصرف يسير.
(٥) ورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٠ ب، بنصه عن ابن جريج عن عطاء ضعيفة، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٣٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٢، وقد روي عن ابن عباس أنهما: هشام بن عمرو، ومولاه الذي كان ينهاه، انظر: "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٩٣، و"تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٤٧٢، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦، وعزاه إلى ابن جرير -روايته ليس فيها الشاهد- وابن أبي حاتم وابن مردويه، وابن =
هو الكافر لا يعمل بطاعة الله ولا ينفق خيرًا، وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا هو المؤمن يطيع الله في نفسه وماله (١)، فعلى هذا القول: الكافر لمَّا لم ينفق في طاعة الله صار كالعبد الذي لا يملك شيئًا، والمؤمن ينفق في الخير وفي طاعة الله، فليسا يستويان، كذلك قال الله تعالى: هَلْ يَسْتَوُونَ وجمع الفعل؛ لأن المراد بقوله: عَبْدًا مَمْلُوكًا، وقوله تعالى: وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا، الشُّيوع في الجنس لا التخصيص (٢).
(١) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢/ ٣٥٩) بنصه، والطبري ١٤/ ١٥٠ - ١٥١ من طريقين بنصه وبنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٩٢، بمعناه، و"تفسير الطوسي" ٦/ ٤٠٨، بمعناه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٤٧٢، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١٤٧، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. والغريب أن لابن عباس قولاً مثله -حتى إن كثيرًا من المفسرين نسبوا القول إليهما، بل إن بعضهم اكتفى بنسبته إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- ومع ذلك لم يذكره واكتفى بنسبته لقتادة.
(٢) قال الثعلبي: هَلْ يَسْتَوُونَ ولم يقل: هل يستويان؛ لمكان (مَنْ) لأنه اسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمونث."تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٠ ب.
واختار ابن قتيبة القول الأول (١)؛ فقال: هذا مثل ضربه الله لنفسه ولمن عُبد دُونَه، فقدله: عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مَثَلُ من عُبِد مِن دونه؛ لأنه عاجزٌ مُدَبَّرٌ مملوكٌ لا يقدر على نفع ولا ضرّ، ثم قال: وَمَنْ رَزَقْنَاهُ إلى قوله: وَجَهْرًا وهذا مَثَلُه جلَّ وعز؛ لأنه الواسع الجواد القادر الرَّزاق عباده جَهْرًا من حيث يعلمون وسرًّا من حيث لا يعلمون، قال: وهذا القول أعجب إليّ؛ لأن المَثَل توسَّط كلامين؛ هما لله جلّ وعز؛ أما الأول فقوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ الآية. فهذا (٢) لله ومن عُبِدَ من دونه، (وأما الآخر فقوله) (٣) بعد إنقضاء المثل: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤)، ومعنى قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ هاهنا: أنه بَيَّنَ أن له الحمدَ على ما فعل بأوليائه، وأنعم عليهم بالتوحيد، هذا معنى قول ابن عباس (٥).
وقال غيره: بَيَّنَ أن له جميعَ الحمد، وأنه المستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه؛ لأنه لا يَدَ للأصنام عندهم، ولا نعمة لها عليهم (٦)،
(٢) في جميع النسخ: (عهد الله)، وهو تصحيف، والتصويب من المصدر.
(٣) ما بين القوسين كتب على الهامش في نسخة (أ).
(٤) "تأويل مشكل القرآن" ص ٣٨٤ - ٣٨٥، بتصرف واختصار، وورد نحوه في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ٩٢.
(٥) قال: الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد. انظر: "تفسير الفخر الرازي" ٢٠/ ٨٥، بنصه، وأبي حيان ٥/ ٥١٩، بنصه.
(٦) ورد في "تفسير الطبرى" ١٤/ ١٤٩، بنحوه، والثعلبي ٢/ ١٦٠ ب، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٣٣، وابن الجوزي ٤/ ٤٧٣، والفخر الرازي ٢٠/ ٨٥، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١٤٨، والخازن ٣/ ١٢٧.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي