المعنى الجملي : بعد أن بالغ سبحانه في الوعد للمتقين والوعيد للكافرين، وعاد وكرر في الترغيب والترهيب إلى أقصى الغاية، أردف ذلك ذكر هذه الأوامر التي جمعت فضائل الأخلاق والآداب، وضروب التكاليف التي رسمها الدين وحث عليها، لما فيها من إصلاح حال النفوس، وصلاح حال الأمم والشعوب، ثم ضرب الأمثال لمن يحيد عنها وينفر من فعلها.
ثم أبان أن أمر الهداية والإضلال بيده، وأنه قد قدره بحسب استعداد النفوس للصلاح والغواية، وأنه سيجازي يوم القيامة كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم، إنه سريع الحساب.
أخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم والبيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :" أعظم آية في كتاب الله تعالى : الله لا إله إلا هو الحي القيوم [ البقرة : ٢٥٥ ]، وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل : إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، وأكثر آية في كتاب الله تفويضا : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ٢ ويرزقه من حيث لا يحتسب [ الطلاق : ٢ -٣ ]، وأشد آية في كتاب الله رجاء : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا [ الزمر : ٥٣ ] " وعن عكرمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد بن المغيرة هذه الآية، فقال له : يا ابن أخي أعد عليّ، فأعادها عليه، فقال له الوليد : والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية : إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية، ثم قال : إن الله عزّ وجل جمع لكم الخير كله، والشر كله في آية واحدة، فو الله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه وأمر به، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئا إلا جمعه وزجر عنه.
قال الحافظ أبو يعلى في كتاب معرفة الصحابة، عن علي بن عبد الملك بن عمير، عن أبيه، قال :" بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه وقالوا : أنت كبيرنا، لم تكن لتخفّ إليه، قال فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب رجلان فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا : نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" أما من أنا ؟ فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا ؟ فأنا عبد الله ورسوله، قال ثم تلا عليهم : إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية. قالوا : ردّد علينا القول فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا أبى أن يرفع نسبه، فوجدناه زاكي النسب وسطا في مضر، وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال : إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوسا ولا تكونوا فيه أذنابا، وكونوا فيه أولا ولا تكونوا فيه آخرا.
وقال سعيد بن جبير، عن قتادة في قوله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية، ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها.
وبعد أن أبان أنه كلفهم الوفاء بالعهد، وتحريم نقضه، أتبعه ببيان أنه قادر على جمعهم على هذا الوفاء، وعلى سائر أبواب الإيمان فقال :
ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، أي : ولو شاء الله لجعل الناس على دين واحد، بمقتضى الغريزة والفطرة ولم يجعل لهم اختيارا فيما يفعلون، فكانوا في حياتهم الاجتماعية أشبه بالنمل والنحل، وفي حياتهم الروحية أشبه بالملائكة، مفطورين على طاعة الله واعتقاد الحق، وعدم الميل إلى الزّيغ والجور، لكنه تعالى خلقهم كاسبين لا ملهمين، وعاملين بالاختيار لا مفطورين، وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم، فللإنسان اختيار أوتيه بحسب استعداده الأزلي وهو مجبور فيه، والثواب والعقاب يترتبان على هذا الاختيار الذي يشاهد، وتكون عاقبته الجنة أو النار.
ولتسئلن عما كنتم تعملون ، أي : ولتسألن يوم القيامة جميعا سؤال محاسبة ومجازاة، لا سؤال استفهام واستفسار، وقد تكرر هذا المعنى في سور كثيرة.
تفسير المراغي
المراغي