ثم بيّن سبحانه أنه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء أو على الإيمان فقال : وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة متفقة على الحق ولكن بحكم الإلهية يُضِلُّ مَن يَشَاء بخذلانه إياهم عدلاً منه فيهم وَيَهْدِي مَن يَشَاء بتوفيقه إياهم فضلاً منه عليهم لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْألُونَ [ الأنبياء : ٢٣ ]. ولهذا قال : ولتسألن عما كنتم تعملون من الأعمال في الدنيا، واللام في وليبينن لكم وفي ولتسألنّ هما الموطئتان للقسم.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر في قوله : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ الله إِذَا عاهدتم قال : أنزلت هذه الآية في بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنّ من أسلم بايع على الإسلام، فقال : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ الله الآية، فلا يحملنكم قلة محمد وأصحابه، وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : وَلاَ تَنقُضُوا الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا يقول : بعد تغليظها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس، أن سعيدة الأسدية كانت تجمع الشعر والليف، فنزلت فيها هذه الآية وَلاَ تَكُونُوا كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص مثله. وفي الروايتين جميعاً أنها كانت مجنونة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدّي في سبب نزول الآية، قال : كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها نقضته. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير معناه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِي أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ قال : ناس أكثر من ناس. وأخرجوا عن مجاهد في الآية قال : كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعزّ، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون هؤلاء الذين هم أعزّ، فنهوا عن ذلك.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني