ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

عموم النوال من الكبير المتعال
" كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا.
أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض و للآخرة أكبر درجات و أكبر تفضيلا ".
( سورة الإسراء الآيتان ٢١، ٢٢ )
تمهيد :
الموجودات مشمولة بالرحمة
إن هذه الموجودات كلها علويها وسفليها، مشمولة برحمة الله مغمورة بنعمته. و أول تلك النعم هو وجودها١، و ذلك الوجود من مقتضى الرحمة.
ثم تتنوع تلك النعم الرحمانية بتنوع أجناس الموجودات و أنواعها و أصنافها و أفرادها، وتتفاوت أيضا حسب ذلك. وينال كل حظه منها بتقدير الحكيم العليم.
ومن مظاهر هذه الرحمة العامة أن كل موجود قد أعطي من التكوين ما يناسب وجوده، و ما يتوقف عليه بقاؤه، أو ارتقاؤه٢، سواء أكان من عالم الجماد، أو عالم النبات، أو عالم الحيوان.
نعم خاصة وعامة
و قد مضى قبل هذه الآية ذكر مريدي العاجلة الذين لا يعملون إلا لها، و ما أعد لهم من عذاب النار. و ذكر مريدي الآخرة بأعمالهم في الدنيا، و ما أعد لهم من حسن الجزاء. فحالتهم في الآخرة متباينة : هؤلاء في النعيم المقيم، و أولئك في العذاب الأليم، هذا في الآخرة.
و أما في الدنيا فإنهم قد أعطوا من نعم الحياة، ومكنوا من أسبابها.
فقد تساووا في الخلقة البشرية، وفي العقل المميز المفكر، و في الإرادة الحرة.
و قد أظلتهم السماء، و أصابتهم نعمة الشمس والقمر والكواكب و ما ينزل من السماء.
و قد أقلتهم الأرض و شملتهم نعمة الهواء، والماء، والغذاء، والدواء، من النبات والحيوان والجماد، وكل ما يخرج من الأرض.
و شاهدوا كلهم آيات الله الكونية الدالة عليه.
وجاءتهم كلهم رسل الله بآياته السمعية داعية إليه، فاختار كل بعقله – و هو حر في إرادته حرية لا يمكن لأحد أن يكابر فيها٣ ما اختار لنفسه.
وحجة الله بما تقدم قائمة عليه. و بقوا بعد ذلك الاختيار – الذي اختلفت به منازلهم عند الله – فيما أعد لهم يوم لقاه، سواء في تلك النعم الدنيوية، والتمكن من أسباب بقائها والتقدم فيها، لا فرق في ذلك بين بر و فاجر، ومؤمن وكافر.
و هذا معنى قوله تعالى :" كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك ".
العصيان لا يمنع الرزق :
وليس تعالى مانعا كافرا لكفره، أو عاصيا لعصيانه من هذه الحياة و أسبابها، وليس أحد على منع ما لم يمنعه الله بقادر.
وهذا معنى قوله تعالى :" وما كان عطاء ربك محظورا ".
( والحظر ) المنع، والمحظور الممنوع.
و تركيب الآية يفيد أن عطاء الرب لا يمنع، و لا يجوز أن يمنع، لأن من مقتضى ربوبيته دوام عطائه و مدده لعموم خلقه بعلمه وحكمته.
نكت لفظية :
وقدم المفعول، وهو ( كلا ) ردا على من يعتقد أن الله تعالى يمد بعضا دون بعض. وفيه إيجاز بالحذف، والأصل كلا الفريقين : يعني فريق مريدي العاجلة، و مريدي الآخرة.
و( نمد ) من الإمداد وهو المواصلة بالشيء، وذلك الشيء يسعى مددا.
و أصل المدد البسط للشيء، فيستطيل ويتسع ومن مد يده ومد شبكته، ومنه مد الله لك أسباب السعادة أي بسطها ووسعها. والإمداد بالشيء والمواصلة به يكون به دوام فائدته وامتداد النفع به. والخلق كلهم في حاجة دائمة، وفاقة مستمرة إلى مدد الله وعطائه، و أنواع بره و إحسانه.
و هو تبارك وتعالى لا يزال يواصلهم في كل لحظة من وجودهم بما يحتاجون إليه من فيض عطائه.
و أضاف العطاء للرب٤ لأنه من مقتضى ربوبيته بتكوينه للخلق، وتطويرهم، و إعطائهم ما يحفظهم في تلك الأطوار.
و أضاف الرب إلى ضمير المخاطب٥، و هو النبي صلى الله عليه و آله وسلم لتشريفه بهذه الإضافة. ولما تشرف بهذه الإضافة الربانية – والرب جل جلاله قد مضى في وصفه في الآية أنه عام الرحمة والنعمة والنوال ؛ فمن شكر نعمة هذا الشرف أن يتخلق العبد – وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم – بما هو من مقتضى وصف ربه.
هذا من فوائد هذه الإضافة في هذا المقام.
نحن والرسول
وقد كان – صلى الله عليه و آله وسلم – رحمة للعالمين، شديد الشفقة على الخلق أجمعين، حريصا على هدايتهم إلى الصراط المستقيم، حتى خاطبه ربه بقوله :" لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين " : أي قاتل نفسك غما لعدم إيمانهم.
وكان أساس شرعه على العدل والإحسان : العدل مع كل أحد، و الإحسان إلى كل شيء، فقال تعالى :" و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا – أي لا يحملنكم بغض قوم على عدم العدل فيهم – و قال صلى الله عليه و آله وسلم :" إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة " ٦.
الخير للحق سبحانه
و لما كان هو عليه الصلاة والسلام قدوتنا، فنحن مخاطبون بأن نكون مثله في عموم رحمته وشفقته وعدله وبره وإحسانه : نفعل الخير عاما كما تعم خيرات الله تعالى العباد، نفعله لأنه خير نستطعم لذته، غير منتظرين جزاءه.
تفسير ابن باديس – م
إلا من الله ؛ لأن من انتظر الجزاء من الناس في هذه الحياة لابد أن يميل بخيره عن جهة إلى جهة، و ربما يكون في ميله قد أخطأ وجه الصواب، ولابد أيضا أن ييأس فيفتر في العمل، أو ينقطع عنه عندما يرى عدم المكافأة من الناس وعدم ظهور أثر خيره في الحياة، وأبناء الحياة٧.
عظة
و قد أفادت الآية – حسبما تقدم أن أسباب الحياة والعمران والتقدم فيهما مبذولة للخلق على السواء، وأن من تمسك بسبب بلغ – بإذن الله- إلى مسببه، سواء أكان برا أو فاجرا، مؤمنا أو كافرا٨.
وهذا الذي أفادته الآية الكريمة مشاهد في تاريخ المسلمين قديما وحديثا :
فقد تقدموا حتى سادوا العالم، ورفعوا علم المدنية الحقة بالعلوم والصنائع لما أخذوا بأسبابها كما يأمرهم دينهم.
و قد تأخروا حتى كادوا يكونون دون الأمم كلها بإهمال تلك الأسباب فخسروا دنياهم، وخالفوا مرضاة ربهم، و عوقبوا بما هم عليهم اليوم من الذل و الانحطاط.
و لن يعود إليهم ما كان لهم إلا إذا عادوا إلى امتثال أمر ربهم في الأخذ بتلك الأسباب.
فهذه الآية من أنجع الدواء لفتنة المسلم المتأخر بغيره المتقدم، لما فيها من بيان أن ذلك المسلم ما تأخر بسبب إسلامه، و أن غيره تقدم بعدم إسلامه لأن السبب في التقدم والتأخر هو التمسك أو الترك للأسباب.
ولو أن المسلم تمسك بها كما يأمره الإسلام، لكان – مثل سالف أيامه – سيد الأنام.

١ و أنت تتشهى وجودك، بديل حبك لوجود عقبك في الحياة.
.

٢ و كل ميسر لما خلق له.
.

٣ يرجح الإمام دائما في كل كتاباته جانب الحرية والاختيار للإنسان، فهو مخير لا مسير.
.

٤ في "من عطاء ربك"..
٥ "في ربك".
.

٦ والإسلام بذلك راعى حقوق الإنسان والحيوان، لا الإنسان وحده منذ ١٤ قرنا.
حتى نهى عن أن تذبح البهيمة و بجانها أخرى تنظر إليها !!
.

٧ هكذا كانت روح الإمام خيرة محسنة عادلة، ونقول بل إن الإسلام ليأمر بالإحسان ثم يوصينا بشكر من أحسنا إليه.
.

٨ فلا يتهمن أحد الإسلام – بسبب جهل أبنائه وتخلفهم – بأنه سبب تخلف وجمود.
.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير