كلا التنوين عوضٌ عن المضافِ إليهِ أي كلَّ واحدٍ من الفريقين لا الفريقِ الأخير المريد للخير الحقيقِ بالإسعاف فقط نُّمِدُّ أي نزيد مرة بعد مرة بحيث يكون الآنِفُ مدداً للسالف وما به الإمدادُ ما عُجّل لأحدهما من العطايا العاجلة وما أعد للآخر من العطايا الآجلةِ المشارِ إليها بمشكورية السعي وإنما لم يصرحْ به تعويلاً على ما سبقَ تصريحاً وتلويحاً واتكالاً على ما لحِق عبارةً وإشارة كما ستقف عليه وقوله تعالى هَؤُلاء بدل من كلاًّ وَهَؤُلاء عطف عليه أي نُمد هؤلاء المعجَّلَ لهم وهؤلاءِ المشكورَ سعيُهم فإن الإشارةَ متعرّضةٌ لذات المشار إليه بماله من العنوان لا للذات فقط كالإضمار ففيه تذكيرٌ لما به الإمدادُ وتعيينٌ المضاف إليه المحذوفِ دفعاً لتوهّم كونِه أفرادَ الفريقِ الأخير وتأكيدٌ للقصر المستفادِ من تقديم
صفحة رقم 164
الإسراء ٢١ ٢٢ المفعول وقوله تعالى مِنْ عَطَاء رَبّكَ أي من معطاه الواسعِ الذي لا تناهيَ له متعلقٌ بنُمد ومغْنٍ عن ذكر ما به الإمدادُ ومنبِّهٌ على أن الإمدادَ المذكورَ ليس بطريق الاستيجابِ بالسعي والعمل بل بمحض التفضل وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّكَ أي دنيوياً كان أو أخروياً وإنما أُظهر إظهاراً لمزيد الاعتناءِ بشأنه وإشعاراً بعلّيته للحكم مَحْظُورًا ممنوعاً ممن يريده بل هو فائضٌ على مَن قُدّر له بموجب المشيئة المبينة على الحكمة وإن وُجد منه ما يقتضي الحظرَ كالكافر وهو في معنى التعليل لشمول الأمدادِ للفريقين والتَّعرضُ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ في الموضعين للإشعار بمبدئيتها لما ذُكر من الإمداد وعدم الحظر
صفحة رقم 165إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي