ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

فلا تقل لهما أف .
٦٢٠- الآية سيقت لقصد معلوم، وهو : الحث على توقير الوالدين وإعظامهما واحترامهما، والبر والإحسان إليهما، والتأفيف والإيذاء يناقض الإعظام الواجب، فالضرب وأنواع التعذيب يشتمل على مثل ذلك الإيذاء، فهو بمناقضة الإعظام الواجب أولى، فقد وجد فيها العلة وزيادة، فكان ذلك اعتبارا بطريق الأولى.
ولقد ثار بين الأصوليين خلاف مستند هذا الفهم بأن تحريم الضرب بتحريم التأفيف قياس أم لا ؟
فقال القائلون : هو قياس، وقال آخرون : لا، بل هو مفهوم من نفس اللفظ، وقال قائلون : مفهوم من فحوى اللفظ وقال آخرون : مفهوم من سياق الآية، وهو الذي كان يشير إليه إمامي١ رضي الله عنه.
وهذه أقاويل محتملة، والذي يتحصل منه أن يقال : تحريم الضرب معلوم من تحريم التأفيف، فيحتمل أن يحال به على دلالة نفس اللفظ عليه، ويحتمل أن يحال على دلالة معنى اللفظ، نعني به علة تحريم التأفيف فإن أسند على دلالة نفس اللفظ، فلا وجه لتسميته قياسا، وإن استند على فهم علة الملفوظ ووقوع المشاركة بين الضرب والتأفيف في على تحريمه، حسن تسميته قياسا، ولم يمنع منه كونه جليا سابقا إلى الفهم، مستغنيا عن الاستنباط والنظر بعد وقوع المشاركة، فكون القياس مظنونا أو مشكوكا فيه ليس من حد القياس، وإنما القياس عبارة عن إثبات مثل حكم الأصل في الفرع، لمشاركة إياه في العلة، ثم ينقسم إلى معلوم وإلى مظنون. والمظنون ينقسم إلى جلي وخفي، والمعلوم ينقسم إلى أولي وبديهي وإلى فكري ونظري.
فما كانت مقدماته جلية سابقة إلى الفهم، لم يفتقر فيه إلى نظر وفكر وهذا- إن تخيل- استناد العلم به إلى نفس اللفظ، لا إلى فهم علة حكم الملفوظ به، ولم يتخيل إما أن تكون دلالته من حيث اللغة، وإما أن تكون دلالته من حيث العرف، وباطل أن يتخيل دلالته من حيث اللغة، إذ يقول القائل : لا تقل له أف، ليس موضوعا للنهي عن الضرب لغة، إذ يجوز أن يقول الملك- المستولي على واحد من الأكابر- لغلامه : لا تقل له أف، ولا تنهره ولا تقطع يده، ولا تفقأ عينه، واقتله، والمعنى به النهي عن الاستخفاف به مع الأمر بالإهلاك، فهو بوضع اللسان غير دال عليه.
وإنما مظنة الخيال أن يضاف إليه من حيث العرف، فيقال : هذه الصيغة في العرف موضوعة مستعملة للنهي عن الإيذاء، فالنهي عنه بصيغة تدل على تحريم الإيذاء في العرف، فكأنه قال : لا تؤذ والديك ولا تستخف بهما، ولو قال ذلك لكان تحريم الضرب مأخوذا من اللفظ، لأنه يندرج تحت عموم الإيذاء، لا من القياس، فإن التأفيف أقل درجات الإيذاء، فالنهي عنه بصيغته يدل على تحريم الإيذاء في جنسه من حيث العرف، وهو كقول القائل : ليس لفلان حبة، لا يدل على نفي ما فوق الحبة عرفا، وإن لم يتعرض له...
فنقول : دلالة الألفاظ على الشيء إما أن تكون بطريق التعليل، أو اللغة أو العرف، ولا يحكم بالإحالة على العرف إلا إذا امتنع إحالته على الله والتعليل، لأن التنبيه بطريق التعليل من اللغة، كما أنه بطريق الوضع في اللغة، وأما دعوى كونه مستعملا من جهة العرف، فهذا تحكم يصار إليه إذا حصل الفهم وامتنع له مدرك وضعي.
وفي مسألتنا أمكن الإحالة بالتنبيه على التعليل، لظهور إيجاب التوقير من الآية، وظهور كون التأفيف مناقضا له بالعقل والعرف، وظهور كون الضرب مشتملا على ذلك الإيذاء وزيادة. فهذه مقدمات أولية استند إليها العلم بتحريم الضرب، وهو القياس بعينه.
٦٢١- فإن قيل : وبم تنكرون على من يقول : إن قوله تعالى : فلا تقل لهما أف عبارة عن النهي عن الإيذاء.
قلنا : لأنه تحكم لا مستند له، إذ حمله على حقيقته- مع فهم علته وإلحاق غيره به- ممكن، فتحويله إلى غير حقيقته، من غير ضرورة- لا وجود له، بخلاف النقير والقطمير.
فإن قيل : لو كان هذا قياسا لامتنع من لا يرى القياس في الشرع، ولامتنعنا منه لورود الحجر عن القياس.
قلنا : إنما لا يمتنع، لأن هذا القياس معلوم، فإن مقدماته معلومة، فلو ورد الحجر عن القياس المعلوم ووجب الجمود على موضع النص، لقصرنا التحريم على التأفيف، وقلنا : الضرب لم يتعرض له النص، ولكنه يكاد يفضي إلى التناقض، إذ عرف وجوب التعظيم، وعرف تحريم التأفيف لكونه ضدا، وعلم أن الضرب أقوى منه في المضادة، ولا سبيل إلى دفع علم مقدمات معلومة على القطع. [ الشفاء الغليل : ٥٨-٥٩ ].
٦٢٢- فحوى الخطاب : هو فهم تحريم الضرب من آية التأفيف.
قال قائلون : إنه قياس، لأنه ليس بمنصوص، وهو ملحق بالنص ولا معنى للقياس سواه.
قال القاضي : ليس بقياس، لأنه مفهوم من فحوى فهم المنصوص من غير حاجة إلى تأمل، وطلب جامع.
والمختار : أنه من المفهوم، لا لما ذكره القاضي، إذ لا يبعد في العرف أن يقول الملك لخادمه : اقتل الملك الفلاني، ولا تواجهه بلكمة سيئة، فليس فهم ذلك من اللفظ من صورته ولكن لسياق الكلام وقرينة الحال فهم على القطع، إذ الغرض منه الاحترام فلا يعد قياسا، والخلاف آيل إلى العبارة. [ المنخول من تعليقات الأصول : ٣٣٤-٣٣٥ ].
٦٢٣- اتفق أهل اللغة على أن فهم ما فوق التأفيف من الضرب والشتم... أسبق إلى الفهم منه من نفس... التأفيف. [ المستصفى : ١/١٣٥ ]
٦٢٤- الأف : وسخ الظفر... وقوله عز وجل : ولا تقل لهما أف تبعهما بما تحت الظفر من الوسخ، وقيل لا تتأذى بهما كما تتأذى بما تحت الظفر. [ الإحياء : ١/١٦٣ ].
٦٢٥- ولا تقل لهما أف دل على تحريم الضرب لا بلفظه المنطوق به حتى يتمسك بعمومه، وقد ذكرنا أن العموم للألفاظ لا للمعاني وللأفعال. [ المستصفى : ٢/٧٠ ].
٦٢٦- ولا تقل لهما أف فإن تحريم الضرب مدرك منه قطعا. [ نفسه : ١/ ١٢٧ ].
٦٢٧- فهم غير المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده كفهم تحريم الشتم والقتل والضرب من قوله تعالى : ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما [ نفسه : ١/١٩٠ ].
٦٢٨- تحريم التأفيف لإكرام الآباء. [ نفسه : ٢/٢٨٣ ].
٦٢٩- تحريم الشتم من آية التأفيف. [ المنخول من تعليقات الأصول : ٦٧ ].
٦٣٠- المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به كقوله تعالى : ولا تقل لهما أف فإنه أفهم تحريم الضرب والشتم. [ المستصفى : ٢/٢٨١ ].
٦٣١- أبو حنيفة رحمه الله أنكر المفهوم إلا ما يقطع به كآية التأفيف. [ المنخول من تعليقات الأصول : ٢٠٩ ].

١ - هو إمام الحرمين ضياء الدين عبد الملك ابن الشيخ محمد بن عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الجويني ولد عام ٤١٩ هـ جاور بمكة والمدينة ودرس بالمدرسة النظامية في نيسابور، وبقي قريبا من ثلاثين سنة، يخطب وبجلس للمناظرة والوعض والتدريس توفي سنة ٤٧٨ هـ. ن وفيات الأعيان٣/٣٨٧، وسير أعلام النبلاء: ١٨/٤٦٨ والأعلام: ٤/١٦٠..

جهود الإمام الغزالي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير