بعد أن وجهنا الله تعالى إلى القضية العقدية الكبرى : لا تجعل مع الله إلهاً آخر.. " ٢٢ " ( سورة الإسراء ) : أراد سبحانه أن يبين لنا أن العقيدة والإيمان لا يكتملان إلا بالعمل، فلا يكفي أن تعرف الله وتتوجه إليه، بل لابد أن تنظر فيما فرضه عليك، وفيما كلفك به ؛ لذلك كثيراً ما نجد في آيات الكتاب الكريم الجمع بين الإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى : والعصر " ١ " إن الإنسان لفي خسر " ٢ " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " ٣ " ( سورة العصر ) : لأن فائدة الإيمان وثمرته العمل الصالح، ومادمت ستسلك هذا الطريق فانتظر مواجهة أهل الباطل والفساد والضلال، فإنهم لن يدعوك ولن يسالموك، ولابد أن تسلح نفسك بالحق والقوة والصبر، لتستطيع مواجهة هؤلاء.
ودليل آخر على أن الدين ليس الإيمان القولي فقط، أن كفار مكة لم يشهدوا أن لا إله إلا الله، فلو كانت المسألة مسألة الإيمان بإله واحد وتنتهي القضية لكانوا قالوا وشهدوا بها، إنما هم يعرفون تماماً أن للإيمان مطلوباً، ووراءه مسئولية عملية، وأن من مقتضى الإيمان بالله أن تعمل بمراده وتأخذ بمنهجه.
ومن هنا رفضوا الإيمان بإله واحد، ورفضوا الانقياد لرسوله صلى الله عليه وسلم الذي جاء ليبلغهم مراد الله تعالى، وينقل إليهم منهجه، فمنهج الله لا ينزل إلا على رسول يحمله ويبلغه للناس، كما قال تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم " ٥١ " ( سورة الشورى )، وهاهي أول الأحكام في منهج الله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه.. " ٢٣ " ( سورة الإسراء ) : وقد آثر الحق سبحانه الخطاب ب( ربك )على لفظ ( الله ) ؛ لأن الرب هو الذي خلقك ورباك، ووالى عليك بنعمه، فهذا اللفظ أدعى للسمع والطاعة، حيث يجب أن يخجل الإنسان من عصيان المنعم عليه وصاحب الفضل.
وقضى ربك.. " ٢٣ " ( سورة الإسراء ) : الخطاب هنا موجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه هو الذي بلغ المرتبة العليا في التربية والأدب، وهي تربية حقة ؛ لأن الله تعالى هو الذي رباه، وأدبه احسن تأديب. وفي الحديث الشريف : " أدبني ربي فأحسن تأديبي ".
قضى : معناها : حكم ؛ لأن القاضي هو الذي يحكم، ومعناها أيضاً : أمر، وهي هنا جامعة للمعنيين، فقد أمر الله ألا تعبدوا إلا إياه أمراً مؤكداً، كأنه قضاء وحكم لازم. وقد تأتي قضى بمعنى : خلق. كما في قوله تعالى : فقضاهن سبع سنواتٍ.. " ١٢ " ( سورة فصلت ) : وتأتي بمعنى : بلغ مراده من الشيء، كما في قوله تعالى : فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها.. " ٣٧ " ( سورة الأحزاب ) : وقد تدل على انتهاء المدة كما في : فلما قضى موسى الأجل.. " ٢٩ " ( سورة القصص ) : وتأتي بمعنى : أراد كما في : فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون " ٦٨ " ( سورة غافر ) : إذن : قضى لها معانٍ متعددة، لكن تجتمع كلها لتدل على الشيء اللازم المؤكد الذي لا نقص فيه. وقوله : ألا تعبدوا إلا إياه.. " ٢٣ "
( سورة الإسراء ) : العبادة : هي إطاعة آمر في أمره ونهيه، فتنصاع له تنفيذاً للأمر، واجتناباً للنهي، فإن ترك لك شيئاً لا أمر فيه ولا نهي فاعلم أنه ترك لك الاختيار، وأباح لك : تفعل أو لا تفعل.
لذلك، فالكفار الذين عبدوا الأصنام والذين أتوا بها حجارة من الصحراء، وأعملوا فيها المعاول والأدوات لينحتوها، وتكسرت منهم فعالجوها، ووقعت فأقاموها، وهم يرون كم هي مهينة بين أيديهم لدرجة أن أحدهم رأى الثعلب يبول برأس أحد الأصنام فقال مستنكراً حماقة هؤلاء الذين يعبدونها :
أرب يبول الثعلب برأسه**** لقد ذل من بات عليه الثعالب
فإذا ما تورطوا في السؤال عن آلهتهم هذه قالوا : إنها لا تضر ولا تنفع، وما نعبدها إلا ليقربونا إلى الله زلفى، كيف والعبادة طاعة أمر واجتناب نهي. فبأي شيء أمرتكم الأصنام ؟ وعن أي شيء نهتكم ؟ ! إذن : كلامكم كذاب في كذب. وفي قوله تعالى : ألا تعبدوا إلا إياه.. " ٢٣ " ( سورة الإسراء )
أسلوب يسمونه أسلوب قصر، يفيد قصر العبادة وإثباتها لله وحده، بحيث لا يشاركه فيها أحد. فلو قالت الآية : وقضى ربك أن تعبدوه.. فلقائل أن يقول : ونعبد غيره لأن باب العطف هنا مفتوح لم يغلق، كما لو قلت : ضربت فلاناً وفلاناً وفلاناً.. هكذا باستخدام العطف. إنما لو قلت، ما ضربن إلا فلاناً فقد أغلقت باب العطف.
إذن : جاء التعبير بأسلوب القصر ليقول : اقصروا العبادة عليه سبحانه، وانفوها عن غيره. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى التكليف والأمر الثاني بعد عبادته : وبالوالدين إحساناً.. " ٢٣ " ( سورة الإسراء )
وقد قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى الوالدين في آيات كثيرة، قال تعالى : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا.. " ٣٦ " ( سورة النساء ).
وقال : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا.. " ١٥١ " ( سورة الأنعام )، وقال : ووصينا الإنسان بوالديه حسناً.. " ٨ " ( سورة العنكبوت ) : لكن، لماذا قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى الوالدين ؟ أتريد أن نقرب الأولى بالثانية، أم نقرب الثانية بالأولى ؟
نقول : لا مانع أن يكون الأمران معاً ؛ لأن الله تعالى غيب، والإيمان به يحتاج إلى إعمال عقل وتفكير، لكن الوالدين بالنسبة للإنسان أمر حسي، فهما سر وجوده المباشر، وهما ربياه ووفرا له كل متطلبات حياته، وهما مصدر العطف والحنان.
إذن : التربية والرعاية في الوالدين محسة، أما التربية والرعاية من الله فمعقولة، فأمر الله لك بالإحسان إلى الوالدين دليل على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، فهو سبحانه الذي خلقك، وهو سبب وجودك الأول، وهو مربيك وصاحب رعايتك، وصاحب الفضل عليك قبل الوالدين، وهل رباك الوالدان بما أوجداه هما، أما بما أوجده الله سبحانه ؟
إذن : لابد أن يلتحم حق الله بحق الوالدين، وأن نأخذ أحدهما دليلاً على الآخر. ونلاحظ أن الحق تبارك وتعالى حين أمرنا بعبادته جاء بأسلوب النفي : ألا تعبدوا.. " ٢٣ " ( سورة الإسراء ) : يعني نهانا أن نعبد غيره سبحانه، أما حين تكلم عن الوالدين فلم يقل مثلاً : لا تسيئوا للوالدين، فيأتي بأسلوب نفي كسابقه، لماذا ؟
قالوا : لأن فضل الوالدين واضح لا يحتاج إلى إثبات، ولا يحتاج إلى دليل عقلي، وقولك : لا تسيئوا للوالدين يجعلهما مظنة الإساءة، وهذا غير وارد في حقهما، وغير متصور منهما، وأنت إذا نفيت شيئاً عن من لا يصح أن ينفي عنه فقد ذممته، كأن تنفي عن أحد الصالحين المشهورين بالتقوى والورع، تنفي عنه شرب الخمر مثلاً فهل هذا في حقه مدح أم ذم ؟
لأنك ما قلت : إن فلاناً لا يشرب الخمر إلا إذا كان الناس تظن فيه ذلك. ومن هنا قالوا : نفي العيب عمن لا يستحق العيب عيب. إذن : لم يذكر الإساءة هنا ؛ لأنها لا ترد على البال، ولا تتصور من المولود لوالديه.
وبعد ذلك، ورغم ما للوالدين من فضل وجميل عليك فلا تنس أن فضل الله عليك أعظم ؛ لأن والديك قد يلدانك ويسلمانك إلى الغير، أما ربك فلن يسلمك إلى أحد.
وقوله تعالى : إحساناً.. " ٢٣ " ( سورة الإسراء ) : كأنه قال : أحسنوا إليهم إحساناً، فحذف الفعل وأتى بمصدره للتأكيد. وقوله تعالى : إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريماً " ٢٣ " ( سورة الإسراء ) : الحق سبحانه وتعالى حينما يوصينا بالوالدين، مرة تأتي الوصية على إطلاقها، كما قال تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها.. " ١٥ " ( سورة الأحقاف ) : ومرة يعلل لهذه الوصية، فيقول : حملته أمه وهناً على وهن.. " ١٤ " ( سورة لقمان ) : والذي يتأمل الآيتين السابقتين يجد أن الحق سبحانه ذكر العلة في بر الوالدين، والحيثيات التي استوجبت هذا البر، لكنها خاصة بالأم، ولم تتحدث أبداً عن فضل الأب، فقال : حملته أمه وهناً على وهن.. " ١٤ " ( سورة لقمان ) : فأين دور الأب ؟ وأين مجهوداته طوال سنين تربية الأبناء ؟ المتتبع لآيات بر الوالدين يجد حيثية مجملة ذكرت دور الأب والأم معاً في قوله تعالى : كما ربياني صغيراً.. " ٢٤ " ( سورة الإسراء ) : لكن قبل أن يربي الأب، وقبل أن يبدأ دوره كان للأم الدور الأكبر ؛ لذلك حينما تخاصم الأب والأم لدى القاضي على ولد لهما، قالت الأم : لقد حمله خفا وحملته ثقلاً، ووضعه شهوة ووضعته كرهاً.
لذلك ذكر القرآن الحيثيات الخاصة بالأم ؛ لأنها تحملتها وحدها لم يشاركها فيها الزوج ؛ ولأنها حيثيات سابقة لإدراك الابن فلم يشعر بها، فكأنه سبحانه وتعالى أراد أن يذكرنا بفضل الأم الذي لم ندركه ولم نحس به.
وذلك على خلاف دور الأب فهو محسوس ومعروف للابن، فأبوه الذي يوفر له كل ما يحتاج إليه، وكلما طلب شيئاً قالوا : حينما يأتي أبوك، فدور الأب إذن معلوم لا يحتاج إلى بيان. والآية هنا أوصت بالوالدين في حال الكبر، فلماذا خصت هذه الحال دون غيرها ؟
قالوا : لأن الوالدين حال شبابهما وقوتهما ليسا مظنة الإهانة والإهمال، ولا مجال للتأفف والتضجر منهما، فهما في حال القوة والقدرة على مواجهة الحياة، بل العكس هو الصحيح نرى الأولاد في هذه الحال يتقربون للآباء، ويتمنون رضاهما، لينالوا من خيرهما.
لكن حال الكبر، ومظهر الشيخوخة هو مظهر الإعالة والحاجة والضعف، فبعد أن كان معطياً أصبح آخذاً، وبعد أن كان عائلاً أصبح عالة.
لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث الآمينات والمراغم، وكان على المنبر، فسمعه الصحابة يقول : آمين. ثم سكت برهة. وقال : آمين وسكت. ثم قال : آمين. فلما نزل قالوا : يا رسول الله سمعناك تقول : آمين ثلاثاً. فقال : جاءني جبريل فقال : رغم أنف من ذكرت عنده ولم يصل عليك، قل : آمين. فقلت : آمين، ورغم أنفس من أدرك رمضان فلم يغفر له، قل : آمين. فقلت : آمين، ورغم أنف من أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل بهما الجنة، قل : آمين. فقلت : آمين " >
فخص الحق سبحانه حال الكبر، لأنه حال الحاجة وحال الضعف ؛ لذلك قال أحد الفلاسفة : خير الزواج مبكره، فلما سئل قال : لأنه الطريق الوحيد لإنجاب والد يعولك في طفولة شيخوختك، وشبه الشيخوخة بالطفولة لأن كليهما في حال ضعف وحاجة للرعاية والاهتمام. وصدق الحق سبحانه حين قال : الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة.. " ٥٤ "
( سورة الروم ) : فمن تزوج مبكراً فسوف يكون له من أولاده من يعينه ويساعده حال كبره. والمتأمل في قوله تعالى : إما يبلغن عندك الكبر.. " ٢٣ " ( سورة الإسراء ) : لم تأت صفة الكبر على إطلاقها، بل قيدها بقوله :( عندك )فالمعنى : ليس لهما أحد غيرك يرعاهما، لا أخ ولا أخت ولا قريب يقوم بهذه المهمة، ومادام لم يعد لهما غيرك فلتكن على مستوى المسئولية، ولا تتنصل منها ؛ لأنك أولى الناس بها.
ويمتد البر بالوالدين إلى ما بعد الحياة بالاستغفار لهما، وإنجاز ما أحدثاه من عهد، ولم يتمكنا من الوفاء به، وكذلك أن نصل الرحم التي لا توصل إلا بهما من قرابة الأب
تفسير الشعراوي
الشعراوي