ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

( و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ).
( القضاء ) يكون بمعنى الإرادة، وهذا هو القضاء الكوني التقديري الذي لا يتخلف متعلقه فما قضاه الله لابد من كونه. ويكون القضاء بمعنى الأمر والحكم، وهذا هو القضاء الشرعي الذي يمتثله الموفقون، ويخالفه المخذولون، والذي في الآية من هذا الثاني.
[ ربك ] الرب هو الخالق المدبر المنعم المتفضل.
[ أن ] مصدرية، والتقدير : بألا تعبدوا إلا إياه أي بعدم عبادتكم سواه، بأن تكون عبادتكم مقصورة عليه.
فالعبادة بجميع أنواعها لا تكون إلا له فذل القلب وخضوعه، والشعور بالضعف والافتقار والطاعة والانقياد والتضرع والسؤال، هذه كلها لا تكون إلا لله.
تحذير
فمن خضع قلبه لمخلوق على أنه يملك ضره أو نفعه فقد عبده.
ومن ألقى قياده بيد مخلوق يتبعه فيما يأمره وينهاه غير ملتفت إلى أنه من عنده، أو من عند الله فقد عبده.
ومن توجه لمخلوق فدعاه ليكشف عنه السوء أو يدفع عنه الضر فقد عبده.
و من شعر بضعفه وافتقاره أمام مخلوق على أنه يملك إعطاءه أو منعه فقد عبده.
فالله تعالى يعلم الخلق كلهم في هذه الآية بأنه أمر أمرا عاما، وحكم حكما جازما بأن العبادة لا تكون إلا له.
و جيء باسم الرب في مقام الأمر بقصر العبادة عليه تنبيها على أن الذي يستحق العبادة هو من له الربوبية بالخلق والتدبير والملك والإنعام، وليس ذلك الإله. فلا يستحق العبادة بأنواعها سواه، فهو تنبيه بوحدانية الربوبية التي من مقتضاها انفراده بالخلق والأمر الكوني والشرعي على وحدانية الألوهية التي من مقتضاها استحقاقه وحده عبادة جميع مخلوقاته١.
التوحيد العملي
وكما انتظمت هذه الجملة توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية كذلك انتظمت مع الآية السابقة التوحيد العلمي والتوحيد العملي :
فالأولى : نهي عن أن تعتقد الألوهية لسواه، و هو يتضمن النهي عن اعتقاد ربوبية سواه وهذا من باب العلم.
والثانية : أمر بأن تكون عبادتك مقصورة عليه لأنه هو ربك وحده، وهذا من باب العمل :
فمن وحد الله جل جلاله في ربوبيته و ألوهيته علما وعملا.. فقد استكمل حظه من مقام هذا الأساس العظيم.
و من أخل بشيء من ذلك نقصا في دينه بقدر ما أخل حتى ينتهي الأمر إلى خلص المشركين٢.
نعوذ بالله من الشرك جلية وخفية، إنه سميع عليم.
بيان واستدلال :
ألوان الذل
يكون ( الذل ) بمعنى ضعف الحال، و هذا قد يكون لأهل التوحيد و الإيمان كما في قوله تعالى :" ولقد نصركم الله ببدر و أنتم أذلة " ٣.
و يكون بمعنى اللين المشوب بالعطف وهذا من صفات المؤمنين الممدوحة إذا وقعت في محلها كما في قوله :" أذلة على المؤمنين " ٤.
و يكون الذل بمعنى خنوع القلب وخضوعه وانكساره للضعف والافتقار، و هذا هو الذي يكون من المؤمن الموحد لربه كما في حديث دعاء القنوت :( ونخنع لك ) ؛ أي نذل ونخضع لك.
و هذا الخنوع هو أساس العبادة القلبية فلذلك لا يكون إلا لله.
و إن من أسرار كلمة " الله أكبر " التي يأتي بها المؤمن مرات كثيرة في صلواته وغيرها من أحواله، حفظ القلب من الخنوع للخلق باستشعار عظمة الخالق التي يصغر عندها كل مخلوق، فلا يزال المؤمن لهذا قوي القلب، عزيز النفس بالله، لا ينتظر قوة ضعفه إلا به، ولا سد مفاقره إلا منه.
و لقلب المؤمن الموحد أمام من يحب في الله ويعظم بتعظيم الله خضوعا أيضا، ولكنه خضوع هيبة وتوقير و إجلال لا خضوع ذل وخنوع وضعف. وافتقار، إذ هذا – كما قدمنا – لا يكون إلا للغني القوي العزيز القهار.
مظاهر الخنوع
من مظاهر هذا الخنوع الذي لا يكون إلا لله الطاعة والانقياد، وهي أيضا لا تكون إلا له.
و قد قال تعالى :" أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ". أي أطاعه واتبعه.
كما قال تعالى :" واتبعوا أهوائهم ".
فمن اتبع مخلوقا و أطاعه فيما يأمره وينهاه، دون أن يكون في طاعته مراعيا طاعة الله فقد عبده، واتخذه ربا فيما أطاعه فيه.
و في حديث عدي بن حاتم الذي رواه الترمذي وغيره، لما جاء للنبي صلى الله عليه و آله وسلم وسمعه يتلوا قوله تعالى :
" اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله ". فقال عدي : يا رسول الله، إنهم لم يكونوا يعبدونهم. قال :" أليس كانوا إذا حرموا عليهم شيئا حرموه، و إذا أحلوا لهم شيئا أحلوه ؟ " قال، قلت : نعم. قال رسول الله – صلى الله عليه و آله وسلم - :" فتلك عبادتهم إياهم " !
فالمؤمن الموحد لا تكون طاعته إلا لله أو لمن طاعته طاعة لله.
الدعاء و منزلته
و من مظاهر ذلك الخنوع : الدعاء والسؤال والتضرع والجؤار٥إليه.
قال تعالى :" وما بكم من نعمة فمن الله، ثم إذا مسكم للضر فإليه تأجرون ".
و قال تعالى :" أمن يجيب المضطر إذا دعاه ". و قال تعالى :" إذ تستغيثون ربكم ". و في القرآن آيات كثيرة بهذا المعنى.
و قال صلى الله عليه وآله وسلم – من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الترمذي - :" إذا سألت فاسأل الله ". و في أحاديث كثيرة.
فلا يدعوا المؤمن الموحد فير الله، و لا أحدا مع الله إذ الدعاء عبادة، كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه يرفعه٦ :" الدعاء و العبادة ". رواه أحمد و أصحاب السنن الأربعة.
و كما في حديث أنس رضي الله عنه برفعه :" الدعاء مخ العبادة ". رواه الترمذي. وكل عبادة لا تكون إلا لله فالدعاء لا يكون إلا لله.
و إنما كان للدعاء من العبادة هذي المنزلة لأن حقيقة العبادة هي التذلل و الخضوع، و هو حاصل في الدعاء غاية الحصول و ظاهر فيه أشد الظهور.
ألهمنا الله رشدنا، و أعاذنا من شرور أنفسنا، إنه سميع قريب مجيب.
بر الوالدين
( سورة الإسراء الآية من ٢٤، ٢٥ )
" وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف، ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما.
و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة، و قل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ".
تمهيد :
لطائف في سبب الربط والإحسان
الله هو الخالق، و الوالدان – بوضع الله – هما السبب المباشر في التخليق.
و الله هو المبتدئ بالنعم عن غير عمل سابق، و هما يبتدئان بالإحسان عن غير إحسان تقدم.
و الله يرحم و يلطف و هو الغني عن مخلوقاته، و هم الفقراء، وهما يكنفان بالرحمة و اللطف الولد، و هما في غنى عنه، وهو في افتقار إليهما.
و الله يوالي إحسانه ولا يطلب الجزاء، و هما يبالغان في الإحسان دون تحصيل الجزاء..
فلهذه الحالة التي خصهما الله بها و أعانهما بالفطرة عليها، قرن ذكرهما بذكره ؛ فلما أمر بعبادته أمر بالإحسان إليهما في هذه الآية، و في قوله تعالى :
" واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا و بالوالدين إحسانا ".
و لما أمر بشكره أمر بشكرهما فقال تعالى :" أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير ".
و في هذا الجمع في القضاء والحكم بالإحسان و الأمر بالشكر لهما مع الله تعالى أبلغ التأكيد و أعظم الترغيب.
ثم زاد هذا الحكم وهذا الأمر تقريرا بلفظ التوصية بهما في قوله تعالى :" ووصينا الإنسان بوالديه حسنا "، ليحفظ حكم الله و أمره فيهما، و لا يضيع شيئا من حقوقهما، فكان حقهما بهذه الوصاية، أمانة خاصة، ووديعة من الله عظيمة عند ولدهما، و كفى بهذا داعيا إلى العناية بهذه الأمانة و حفظها وصيانتها..
و كما جاء هذا الجمع في باب الأمر في القرآن كذلك جاء في الجمع بينهما في باب النهي و كبر المعصية، في السنة : ففي الصحيح عن أبي بكرة رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم :" ألا أخبركم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول الله. قال : الإشراك بالله وعقوق الوالدين ".
و تقدير نظم الآية هكذا :
الإحسان
( وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه، و بأن تحسنوا للوالدين إحسانا ).
فحذف أن تحسنوا لوجود ما يدل عليه و هو إحسانا. و في تنكيره٧إفادة للتعظيم، فهو إحسان عظيم في القول و الفعل والحال. وتقول أحسنت إليه، و أحسنت به، وأحسنت به أبلغ، لتضمن أحسنت معنى لطفت، ولما في الباء من معنى اللصوق. و لهذا عدي في الآية بالباء ليفيد الأمر باللطف في الإحسان و المبالغة في تمام اتصاله بهما، فلا يريان و لا يسمعان و لا يجدان من ولدهما إلا إحسانا، و لا يشعران في قلوبهما منه إلا بالإحسان.
لطيفة أخرى
و من الإحسان ما يكون ابتداء و فضلا، و منه ما يكون جزاء و شكرا فعليه أن يعلم أن كل إحسانه هو شكر لهما على سابق إحسانهما، الذي لا يمكنه أن يكافئه بمثله لثبوت فضيلة سبقه.
و في تعليق الحكم – وهو الأمر بالإحسان – بلفظ الوالدين المشتق من الولادة، إيذان بعليتها في الحكم، فيستحقان الإحسان بالوالدية سواء أكانا مؤمنين أم كافرين، بارين أو فاجرين، محسنين أو مسيئين.
و قد جاء هذا صريحا في قوله تعالى :
" و إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما و صاحبهما في الدنيا معروفا " فأمر بمصاحبتهما بالمعروف على كفرهما.
و في الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما - قالت :" قدمت علي أمي و هي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم، قلت : قدمت علي أمي و هي راغبة ( أي في العطاء والإحسان ) أفأصل أمي ؟ قال :" نعم صلي أمك٨.
إكرام الأم
و هذا الإحسان الواجب لهما، جانب الأم آكد فيه من جانب الأب، و حظها فيه أوفر من حظه. ويشير إلى هذا تخصيصها بذكر أتعابها في قوله تعالى :
" " ووصينا الإنسان بواليه حملته أمه وهنا على وهن٩ و فصاله في عامين ".
و في الآية الأخرى :
" ووصينا الإنسان بوالديه حسنا، حملته أمه كرها ووضعته كرها، و حمله وفصاله ثلاثون شهرا ". فذكر ما تعانيه من ألم الحمل، ومشقة الوضع، ومقاساة الرضاع والتربية.
و جاء التصريح بهذا في الحديث الصحيح :
" فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟١٠قال أمك. قال : ثم من ؟ قال : أمك. قال ثم من ؟ قال : أبوك ". فذكر الأب في الثالث. و في طريق آخر للحديث، ذكره في الرابعة.
و لقد كان لها هذا بما ذكر من مزيد تعبها، وضعف جانبها، ورقة عاطفتها، و شدة حاجتها. فكان هذا الترجيح لجانبها من عدل الحكيم العليم و محاسن الشرع الكريم١١.
ومن الإحسان إليهما طاعتهما في الأمر والنهي، ومن عقوقهما مخالفتهما فيهما.
متى تحل مخالفتهما ؟
و إنما تحل له مخالفتهما إذا منعاه من واجب عيني١٢، أو أمراه بمعصية١٣، لما في الصحيح من قوله صلى الله عليه و آله وسلم :" لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف ". و عند الحاكم و أحمد :" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " !
و من الدليل على رجحان جانبهما على الواجب الكفائي :
ما ثبت في الصحيح من حديث الرجل الذي أتى النبي – صلى الله عليه و آله وسلم – يستأذنه في الجهاد فقال : أحي والدك ؟ قال نعم. قال : ففيهما فجاهد.
ومن الطريق الثاني، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه :" أقبل رجل إلى النبي صلى الله عليه و آله وسلم فقال : أبايعك على الهجرة و الجهاد ابتغاء الأجر من الله. قال : فهل من والديك أحد حي ؟ اقل : نعم، بل كلاهما. قال : فتبتغي الأجر من الله ؟ قال : نعم. قال : فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ".
هذا لأن القيام عليهما فرض عين

١ قال تعالى :" و إن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم " الإسراء ٤٤
.

٢ أي شركا خالصا مع المشركين..
٣ سورة آل عمران، الآية ١٢٣..
٤ سورة الفتح، الآية ٢٩
.

٥ أي رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة..
٦ أي أن الحديث مرفوع، و هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه و آله وسلم من قول أو فعل أو تقرير، تصريحا أو حكما.
.

٧ لفظة " إحسانا ".
٨ ألا ما أوسع و أشمل إحسان الإسلام و رحمته !!.
٩ ضعفا على ضعف..
١٠ أي صحبتي من حسن العشرة والبر و التكرمة.
.

١١ و الإسلام إذن كرم المرأة و لم يمتهنها، وجعل الجنة أيضا تحت أقدامها.
.

١٢ كأن يأمراه بترك الصلاة، وتعاليم الإسلام.
١٣ كأن يأمراه بشرب لخمر أو أكل الخنزير..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير