الربع الثاني من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم
في الربع الماضي تولى الحق سبحانه وتعالى التنويه بكتابه الحكيم، وأنه الكتاب الوحيد الذي يهدي إلى أقوم العقائد والملل، وأقوم الشرائع والشعائر، والذي يفصل للإنسان كل شيء، فيعرفه طريق الخير ليسلكها، وطريق الشر ليتجنبها، وذلك قوله تعالى فيما سبق : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، وقوله تعالى : وكل شيء فصلناه تفصيلا .
وكنموذج لما يهدي إليه الذكر الحكيم من الطرق القويمة، والتوجيهات السليمة، ولما يفصله بين جنباته لفلاح الإنسان ونجاته، تولى الحق سبحانه وتعالى في هذا الربع بيان عدد مهم من الأوامر والنواهي، مما تتوقف عليه سعادة المسلم وسعادة المجتمع الإسلامي، فوجه خطابه إلى المكلفين، واحدا واحدا، بالنسبة لما يتعلق بذممهم كأفراد، من الأوامر والنواهي، ووجه خطابه إلى المكلفين، جماعة جماعة، بالنسبة لما يتعلق بهم كجماعات، من الأوامر والنواهي، إذ إن الشريعة تحتوي على تكاليف فردية وتكاليف جماعية، كل منها يكمل الآخر، ويساند الآخر : مثال النوع الأول قوله تعالى في هذا الربع : وبالوالدين إحسانا – فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا . ومثال النوع الثاني قوله تعالى في هذا الربع : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم كان خطئا كبيرا – ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا .
وأول ما يستلفت النظر في هذا الربع قوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ، الذي أتبعه في الحين ودون أي فاصل بقوله تعالى : وبالوالدين إحسانا |الآية : ٢٣|، الأمر الذي يوضح أهمية البرور بالوالدين عند الحق سبحانه وتعالى، حتى وصى به وجعله مقارنا لتوحيده وعبادته، والاعتراف بربوبيته، بحيث إذا كان الإيمان بالله يعتبر في الدرجة الأولى، فإن الإحسان إلى الوالدين يعتبر في الدرجة التي تليه مباشرة، على غرار قوله تعالى في آية أخرى تؤكد نفس المعنى : أن اشكر لي ولوالديك، إلي المصير |لقمان : ١٤| حيث ربط شكر الإنسان لوالديه بشكره لربه. وهكذا يوجه الإسلام معتنقيه إلى وجوب الارتباط الدائم بالله أولا، ثم الارتباط الوثيق بالأسرة ثانيا، إذ الأسرة هي الخلية الأولى للمجتمع، والأمة الإسلامية يجب أن تتألف من مجموعة أسر تتبادل العون والعطف، وتتعاون على البر والتقوى.
ثم تكفل كتاب الله بالإرشاد إلى وجوه الإحسان والبرور التي يجب على الأولاد أن يقدموها إلى الوالدين في جميع الظروف، ولاسيما عند كبرهما، وضعفهما، فنهى عن التضجر منهما والتبرم بهما، ودعا إلى حسن الأدب معهما والتواضع لهما، ورعايتهما حق الرعاية بقية حياتهما، كما دعا إلى الترحم عليهما والوفاء لذكراهما بعد انتقالهما إلى رحمة الله، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا : فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا .
وقوله تعالى هنا : إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما تصوير الاستثنائية التي يحتاج فيها الوالدان أكثر فأكثر، إلى برور الأولاد، وهي حالة الكبر والهرم، التي يرافقها الضعف والعجز، ففي هذا الطور من العمر الذي يصل إليه الأب، أو تصل إليه الأم، أو يصلان إليه معا، يحتاج الوالدان حاجة ملحة إلى برور أولادهم، ويتطلعان بلهفة وشوق إلى مزيد رعايتهم، إذ تكون الأم ويكون الأب قد استنفذ كل منهما طاقات شبابه، وأفنى كل منهما زهرة حياته في تنشئة الأولاد وتربيتهم، وبذل كل منهما النفس والنفيس في سبيل إسعادهم، دون أدنى تحفظ ولا أدنى حساب، وبذلك يرد الأولاد لوالديهم وهم كبار، بعض ما أسداه اليهم والدوهم وهم صغار.
هذا وينبغي لكل ولد ولد أن لا يغفل عن الخطاب الإلهي الموجه إليه من الحق سبحانه وتعالى هنا بشكل مباشر إذ يقول : إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فكلمة عندك هنا إنما جاءت لتشير إلى أن الوالدين في حالة شيخوختهما يصبحان غالبا في كنف أولادهما، ويقضيان أيامهما الأخيرة في رعايتهم وعلى مسؤوليتهم، فعلى الأولاد أن يقوموا بحقوق الأبوة على الوجه الأكمل، كما قام الآباء بحقوق البنوة على الوجه الأفضل.
الربع الثاني من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم
في الربع الماضي تولى الحق سبحانه وتعالى التنويه بكتابه الحكيم، وأنه الكتاب الوحيد الذي يهدي إلى أقوم العقائد والملل، وأقوم الشرائع والشعائر، والذي يفصل للإنسان كل شيء، فيعرفه طريق الخير ليسلكها، وطريق الشر ليتجنبها، وذلك قوله تعالى فيما سبق : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، وقوله تعالى : وكل شيء فصلناه تفصيلا .
وكنموذج لما يهدي إليه الذكر الحكيم من الطرق القويمة، والتوجيهات السليمة، ولما يفصله بين جنباته لفلاح الإنسان ونجاته، تولى الحق سبحانه وتعالى في هذا الربع بيان عدد مهم من الأوامر والنواهي، مما تتوقف عليه سعادة المسلم وسعادة المجتمع الإسلامي، فوجه خطابه إلى المكلفين، واحدا واحدا، بالنسبة لما يتعلق بذممهم كأفراد، من الأوامر والنواهي، ووجه خطابه إلى المكلفين، جماعة جماعة، بالنسبة لما يتعلق بهم كجماعات، من الأوامر والنواهي، إذ إن الشريعة تحتوي على تكاليف فردية وتكاليف جماعية، كل منها يكمل الآخر، ويساند الآخر : مثال النوع الأول قوله تعالى في هذا الربع : وبالوالدين إحسانا – فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا . ومثال النوع الثاني قوله تعالى في هذا الربع : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم كان خطئا كبيرا – ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري