ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

قوله تعالى : وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ( ٢٣ ) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ( ٢٤ ) :
تضمن هذه الآية الحض على بر الوالدين. وقد جاء في ذلك من الأحاديث ما لا يحصى ولا ينبغي أن يخصص شيء من الآيات بنوع من البر دون نوع إلا أن يؤتي به على جهة المثال. وقد قال مجاهد في قوله تعالى : فلا تقل لهما أف معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخوخة الغائط والبول فلا تعزرهما ١ وتقل أف ٢. ولو لم يكن من الآية إلا قوله تعالى : فلا تقل لهما أف لاكتفى بذلك في الحض على بر الوالدين لأنه تعالى لئن كان قد نهى في ذلك عن القليل فبالضرورة يكون ما فوقه من الضرب والشتم أحرى بالنهي عنه، وهذا من إلحاق المسكوت عنه٣ بالمنطوق به على القطع، وقد يسمى هذا بفحوى اللفظ، وقد يسمى بمفهوم الموافقة. وقد اختلف الأصوليون في تسمية هذا قياسا، والأظهر أن لا يسمى بذلك ٤. وقد اختلف فيمن كان بينه وبين أبيه خصومة فأراد أن يحلفه. فقيل يحلفه ولا يكون بذلك عاقا، وهو قول مالك وقول ٥ ابن الماجشون وظاهر قول ابن القاسم وأصبغ. وقيل يحلفه ويحده في حق يقع له عليه، ويكون عاقا بذلك ولا يعذر فيه بجهل، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم.
وقيل لا يمكن من أن يحلفه ولا من أن يحده لأنه من العقوق، وهو مشهور مذهب مالك، وهو أظهر الأقوال لقوله تعالى : ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ، ولما جاء من أنه عليه الصلاة والسلام قال : " ما بر والديه من شدد النظر إليهما أو إلى أحدهما " ٦. وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يمن للولد على والده وللمملوك على سيده " ٧.
ويشهد لصحته قوله عليه الصلاة والسلام : " أنت ومالك لأبيك " ٨. وكذلك اختلف في القصاص من الوالد للولد والنظر في المثلين واحد.
وقوله تعالى : واخفض لهما جناح الذل مما يحتج به الأصوليون على من أنكر وجود المجاز في القرآن.
وقوله تعالى : وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا فيه جواز الدعاء للأبوين على الإطلاق إلا أنه قد اختلف المفسرون فيها. فذهب قوم – منهم قتادة – إلى أنها منسوخة ٩ لأنها اقتضت الاستغفار للآباء المشركين، وذلك منسوخ بقوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين [ التوبة : ١١٣ ]. وذهب جماعة إلى أنها محكمة، واختلفوا في التأويل. فذهب قوم إلى أنه يجوز أن يستغفر للآباء المشركين ١٠ إذا كانوا أحياء، فخصصوا الآية بالأحياء من الآباء. وقيل الآية عامة استثنى منها الكفار بقوله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا وبقيت في المؤمنين. ولا يجوز الاستغفار للكفار أحياء ولا أمواتا. وقد اختلف في بر الأب والأم هل هما سواء فيهما أم بر ١١ الأم أفضل. فالأكثر على أن بر الأم أفضل. إلا أنه زعم الليث بن سعد أن لها ثلثي البر. وفي حديث أبي هريرة ما يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر، وهو أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله : من أحق الناس بحق الصحبة ؟ قال : " أمك ". قال : ثم من ؟ قال : " أمك ". قال : ثم من ؟ قال : " أمك ". قال له إن أبي من بلاد السودان وكتب إلي أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك. قال طع أباك ولا تعص أمك ١٢. فدل قول مالك على أنهما في البر متساويان ولو كان لأحدهما عنده فضل لأمر بالمصير إلى أمره. وفي الآية حجة لهذا القول لأنه تعالى أمر بالدعاء لهما ولم يفضل أحدهما بزيادة في الدعاء فدل ذلك على استواء المنزلة. وزعم المحاسبي ١٣ أن تفضيل الأم على الأب في البر إجماع ١٤.

١ في (أ)، (ج)، (و)، (ز):"فلا تقذرهما"..
٢ قال ابن عطية: والآية أعم من هذا القول. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٧٩..
٣ "عنه" ساقط في غير (أ)، (ز)..
٤ "بذلك" كلمة ساقطة في غير (هـ)، (و)، (ز)..
٥ "وقول" كلمة ساقطة في (أ)، (ز)..
٦ الحديث أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب: في بر الوالدين ٦/ ١٩٧..
٧ وعن ابن عباس عن عمر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يقاد للمملوك من مالكه ولا ولد من والده". انظر لسان الميزان لابن حجر ٤/ ٣٦٨..
٨ الحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب النفقات، باب: نفقة الأبوين ٧/ ٤٨٠. وابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب: ما للرجل من مال وولد ٢/ ٧٦٩..
٩ قال ابن عطية وليس هذا موضع نسخ. راجع المحرر الوجيز ١٠/ ٢٨٠. ووافقه القرطبي على ذلك. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٤٥..
١٠ من قوله: "وذلك منسوخ.... إلى: المشركين" ساقط في (ح)..
١١ "بر" كلمة ساقطة في (أ)..
١٢ الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة، في صحيحه، كتاب الأدب: باب: من أحق الناس بحسن الصحبة ٧/ ٦٩..
١٣ المحاسبي: هو أبو عبد الله الحارث بن الأسد المحاسبي. من كبار الصوفية. عالما بالأصول والمعاملات. توفي سنة ٢٤٣ هـ/ ٨٥٧ م. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ٢/ ١٣٤..
١٤ في غير (أ)، (ز): "إجماع في البر"..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير