تفسير المفردات : وقضى : أي حكم وأمر. وأف : اسم صوت ينبئ عن التضجر والتألم ويقولون لا تقل لفلان أف أي لا تتعرض له بنوع من الأذى والمكروه. والنهر : الزجر بغلطة. كريما : أي جميلا لا شراسة فيه، قال الراغب : كل شيء يشرف في جنسه يقال إنه كريم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر جلت قدرته أن الناس فريقان فريق يريد بعمله الدنيا فقط، وعاقبتهم العذاب والوبال، وفريق يريد بعمله طاعة الله، وهم أهل مرضاته، والمستحقون لثوابه، وقد اشترط لنيلهم ذلك أن يعملوا للآخرة وأن يكونوا مؤمنين – لا جرم فصل الله في هذه الآية حقيقة الإيمان والأعمال التي إذا عملها المؤمن كان ساعيا للآخرة، وصار من الذين سعد طائرهم، وحسن حظهم، ثم أعقب ذلك بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائطه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وبعدئذ أتبع ذلك بالأمر ببر الوالدين من قبل أنهما السبب الظاهر في وجوده، وبالأمر بإيتاء ذوي القربى حقوقهم، ثم بالأمر بإصلاح أحوال المساكين وأبناء السبيل، لأن في إصلاحهما إصلاح المجتمع، والمسلمون كلهم إخوة، وهم يد على من سواهم، ثم قفى على ذلك بالنهي عن التبذير، لما فيه من إصلاح حال المرء وعدم ارتباكه في معيشته، وصلاحه إصلاح للأمة جمعاء، فما الأمم إلا مجموعة الأفراد، ففي صلاحهم صلاحها، ثم علمنا عن قتل الأولاد خشية الفقر، وبين أن الكفيل بأرزاقهم وأرزاقكم هو ربكم، فلا وجه للخوف من ذلك، ثم تلا هذا بالنهي عن الزنى، لما فيه من اختلاط الأنساب، وفقدان النسل أو قلته، ووقوع الشغب والقتال بين الناس دفاعا عن العرض، ثم بالنهي عن القتل لهذا السبب عينه، ثم بالنهي عن إتلاف مال اليتيم، ثم بالأمر بالوفاء بالعهد وهو العقد الذي يعمل لتوكيد الأمر وتثبيته، ثم بإيفاء الكيل والميزان، لما في حسن التعامل بين الناس من توافر المودة والمحبة بينهم، وهذا ما يرمي إليه الدين، لإصلاح شؤون الفرد والمجتمع، ثم بالنهي عن تتبع ما لا علم لك به من قول أو فعل، فلا تتبع ما كان يعمله الآباء اقتداء بهم من عبادة الأصنام تقليدا لهم، ولا تشهد على شيء لم تره، ولا تكذب، فتقول في شيء لم تسمعه إنك قد سمعته، ولا في شيء لم تره، إنك رأيته، ثم بالنهي عن مشية الخيلاء والمرح لما فيهما من الصّلف الذي لا يرضاه الله ولا الناس، ثم ختم ذلك ببيان أن تلك الأوامر والنواهي هي من وحي الله وتبليغه، لا من عند نفسه، أمر بها ونهى عنها، لأنها أسس سعادة الدارين، وعليها تبنى العلاقات بين الأفراد والأمم على نظم صحيحة لا تكون عرضة للاضطراب وفقدان الثقة في معاملاتهم.
( ١ ) وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه أي وأمر ربك ألا تعبدوا غيره، إذ العبادة نهاية التعظيم، ولا تليق إلا بمن له الإنعام والإفضال على عباده، ولا منعم إلا هو.
( ٢ ) وبالوالدين إحسانا أي وإن تحسنوا إلى الوالدين وتبروهما، ليكون الله معكم إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [ النحل : ١٢٨ ].
وقد أمر سبحانه بالإحسان إليهما للأسباب الآتية :
( أ ) شفقتهما على الولد، وبذل الجهد في إيصال الخير إليه، وإبعاد الضر عنه، جهد المستطاع فوجب مقابلة ذلك بالإحسان إليهما والشكر لهما.
( ب ) إن الولد قطعة من الوالدين كما جاء في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال :" فاطمة بضعة مني ".
( ج ) إنهما أنعما عليه، وهو في غاية الضعف، ونهاية العجز، فوجب أن يقابل ذلك بالشكر حين كبرهما، كما قال الشاعر العربي يعدد نعمه على ولده وقد عقه في كبره :
غذوتك مولودا ومنتك يافعا تعلّ بما أجني عليك وتنهل
إذ ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهرا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعينيّ تمهل
تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضّل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
والخلاصة : إنه لا نعمة تصل إلى الإنسان أكثر من نعمة الخالق عليه، ثم نعمة الوالدين، ومن ثم بدأ بشكر نعمته أوّلا بقوله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ثم أردفها بشكر نعمة الوالدين بقوله : وبالوالدين إحسانا .
ثم فصل ما يجب من الإحسان إليهما بقوله :
إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا أي إذا وصل الوالدان عندك أو أحدهما إلى حال الضعف والعجز وصارا عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أوله – وجب عليك أن تشفق عليهما، وتحنو لهما. تعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه، ويتجلى ذلك بأن تتبع معهما الأمور الخمسة الآتية :
( أ ) ألا تتأفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما، واحتسب الأجر عليه، كما صبرا عليك في صغرك.
( ب ) ألا تنغّص عليهما بكلام تزجرهما به، وفي هذا منع من إظهار المخالفة لهما بالقول على سبيل الرد عليهما والتكذيب لهما، وفيما قبله منع من إظهار الضجر القليل أو الكثير.
( ج ) أن تقول لهما قولا حسنا، وكلاما طيبا مقرونا بالاحترام والتعظيم، مما يقتضيه حسن الأدب، وترشد إليه المروءة، كأن تقول يا أبتاه ويا أماه، ولا تدعوهما بأسمائهما، ولا ترفع صوتك أمامهما، ولا تحدّق فيهما بنظرك.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي الهدّاج قال : قلت لسعيد بن المسيّب : كل ما ذكر الله تعالى في القرآن من بر الوالدين فقد عرفته إلا قوله : وقل لهما قولا كريما [ الإسراء : ٢٣ ] ما هذا القول الكريم، فقال ابن المسيّب : قول العبد المذنب للسيد الفظّ.
( د ) أن تتواضع لهما وتتذلل، وتطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن معصية لله، رحمة منك بهما وشفقة عليهما، إذ هما قد احتاجا إلى من كان أفقر الخلق إليهما، وذلك منتهى ما يكون من الضراعة والمسكنة، ولله در الخفاجي إذ يقول :
يا من أتى يسأل عن فاقتي ما حال من يسأل من سائله
ما ذلة السلطان إلا إذا أصبح محتاجا إلى عامله
وقوله : من الرحمة أي أن يكون التذلل رحمة بهما، لا من أجل امتثال الأمر وخوف العار فقط، فتذكّ ر نفسك بما تقدم لهم من الإحسان إليك، وبما أمرت به من الشفقة والحدب عليهما.
وقد مثل حاله معهما بحال الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه لتربيته، فإنه يخفض له جناحه، فكأنه قال للولد : اكفل والديك، بأن تضمهما إلى نفسك، كما فعلا ذلك حال صغرك.
( هـ ) أن تدعو الله أن يرحمهما برحمته الباقية، كفاء رحمتهما لك في صغرك وجميل شفقتهما أن شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما في سلك القضاء بهما معا.
وقد ورد في بر الوالدين أحاديث منها :
( ١ ) إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد معه فقال :" أحيّ والداك ؟ قال : نعم، قال : ففيهما فجاهد ".
( ٢ ) ما رواه مسلم وغيره :" لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ويعتقه ".
( ٣ ) ما روي عن ابن مسعود قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ورسوله ؟ قال :" الصلاة على وقتها "، قلت : ثم أي ؟ قال :" بر الوالدين " قلت : ثم أي ؟ قال :" الجهاد في سبيل الله ".
وبر الأم مقدم على بر الأب، لما روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أحقّ الناس بحسن صحابتي ؟ قال :" أمك "، قال : ثم من ؟ قال :" أمك "، قال : ثم من ؟ قال :" أبوك ".
ولا يختص برهما بحال الحياة، بل يكون بعد الموت أيضا، فقد روى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال :" نعم، خصال أربع : الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما ".
والخلاصة : إنه سبحانه بالغ في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعر منها جلود أهل العقوق، وتقف عندها شعورهم، من حيث افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته، ثم شفعهما بالإحسان إليهما ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر، مع موجبات الضجر، ومع أحوال لا يكاد الإنسان يصبر معها، وأن يذل ويخضع لهما، ثم ختمها بالدعاء لهما والترحم عليهما، وهذه الخمسة الأشياء جعلها سبحانه من رحمته بهما، مقرونة بوحدانيته، وعدم الشرك به.
الإيضاح : وبعد أن ذكر الركن الأعظم في الإيمان أتبعه بذكر شعائره وهي الأمور الآتية فقال :
( ١ ) وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه أي وأمر ربك ألا تعبدوا غيره، إذ العبادة نهاية التعظيم، ولا تليق إلا بمن له الإنعام والإفضال على عباده، ولا منعم إلا هو.
( ٢ ) وبالوالدين إحسانا أي وإن تحسنوا إلى الوالدين وتبروهما، ليكون الله معكم إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [ النحل : ١٢٨ ].
وقد أمر سبحانه بالإحسان إليهما للأسباب الآتية :
( أ ) شفقتهما على الولد، وبذل الجهد في إيصال الخير إليه، وإبعاد الضر عنه، جهد المستطاع فوجب مقابلة ذلك بالإحسان إليهما والشكر لهما.
( ب ) إن الولد قطعة من الوالدين كما جاء في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال :" فاطمة بضعة مني ".
( ج ) إنهما أنعما عليه، وهو في غاية الضعف، ونهاية العجز، فوجب أن يقابل ذلك بالشكر حين كبرهما، كما قال الشاعر العربي يعدد نعمه على ولده وقد عقه في كبره :
غذوتك مولودا ومنتك يافعا تعلّ بما أجني عليك وتنهل
إذ ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهرا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعينيّ تمهل
تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضّل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
والخلاصة : إنه لا نعمة تصل إلى الإنسان أكثر من نعمة الخالق عليه، ثم نعمة الوالدين، ومن ثم بدأ بشكر نعمته أوّلا بقوله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ثم أردفها بشكر نعمة الوالدين بقوله : وبالوالدين إحسانا .
ثم فصل ما يجب من الإحسان إليهما بقوله :
إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا أي إذا وصل الوالدان عندك أو أحدهما إلى حال الضعف والعجز وصارا عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أوله – وجب عليك أن تشفق عليهما، وتحنو لهما. تعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه، ويتجلى ذلك بأن تتبع معهما الأمور الخمسة الآتية :
( أ ) ألا تتأفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما، واحتسب الأجر عليه، كما صبرا عليك في صغرك.
( ب ) ألا تنغّص عليهما بكلام تزجرهما به، وفي هذا منع من إظهار المخالفة لهما بالقول على سبيل الرد عليهما والتكذيب لهما، وفيما قبله منع من إظهار الضجر القليل أو الكثير.
( ج ) أن تقول لهما قولا حسنا، وكلاما طيبا مقرونا بالاحترام والتعظيم، مما يقتضيه حسن الأدب، وترشد إليه المروءة، كأن تقول يا أبتاه ويا أماه، ولا تدعوهما بأسمائهما، ولا ترفع صوتك أمامهما، ولا تحدّق فيهما بنظرك.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي الهدّاج قال : قلت لسعيد بن المسيّب : كل ما ذكر الله تعالى في القرآن من بر الوالدين فقد عرفته إلا قوله : وقل لهما قولا كريما [ الإسراء : ٢٣ ] ما هذا القول الكريم، فقال ابن المسيّب : قول العبد المذنب للسيد الفظّ.
( د ) أن تتواضع لهما وتتذلل، وتطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن معصية لله، رحمة منك بهما وشفقة عليهما، إذ هما قد احتاجا إلى من كان أفقر الخلق إليهما، وذلك منتهى ما يكون من الضراعة والمسكنة، ولله در الخفاجي إذ يقول :
يا من أتى يسأل عن فاقتي ما حال من يسأل من سائله
ما ذلة السلطان إلا إذا أصبح محتاجا إلى عامله
وقوله : من الرحمة أي أن يكون التذلل رحمة بهما، لا من أجل امتثال الأمر وخوف العار فقط، فتذكّ ر نفسك بما تقدم لهم من الإحسان إليك، وبما أمرت به من الشفقة والحدب عليهما.
وقد مثل حاله معهما بحال الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه لتربيته، فإنه يخفض له جناحه، فكأنه قال للولد : اكفل والديك، بأن تضمهما إلى نفسك، كما فعلا ذلك حال صغرك.
( هـ ) أن تدعو الله أن يرحمهما برحمته الباقية، كفاء رحمتهما لك في صغرك وجميل شفقتهما أن شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما في سلك القضاء بهما معا.
وقد ورد في بر الوالدين أحاديث منها :
( ١ ) إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد معه فقال :" أحيّ والداك ؟ قال : نعم، قال : ففيهما فجاهد ".
( ٢ ) ما رواه مسلم وغيره :" لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ويعتقه ".
( ٣ ) ما روي عن ابن مسعود قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ورسوله ؟ قال :" الصلاة على وقتها "، قلت : ثم أي ؟ قال :" بر الوالدين " قلت : ثم أي ؟ قال :" الجهاد في سبيل الله ".
وبر الأم مقدم على بر الأب، لما روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أحقّ الناس بحسن صحابتي ؟ قال :" أمك "، قال : ثم من ؟ قال :" أمك "، قال : ثم من ؟ قال :" أبوك ".
ولا يختص برهما بحال الحياة، بل يكون بعد الموت أيضا، فقد روى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال :" نعم، خصال أربع : الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما ".
والخلاصة : إنه سبحانه بالغ في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعر منها جلود أهل العقوق، وتقف عندها شعورهم، من حيث افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته، ثم شفعهما بالإحسان إليهما ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر، مع موجبات الضجر، ومع أحوال لا يكاد الإنسان يصبر معها، وأن يذل ويخضع لهما، ثم ختمها بالدعاء لهما والترحم عليهما، وهذه الخمسة الأشياء جعلها سبحانه من رحمته بهما، مقرونة بوحدانيته، وعدم الشرك به.
الإيضاح : وبعد أن ذكر الركن الأعظم في الإيمان أتبعه بذكر شعائره وهي الأمور الآتية فقال :
( ١ ) وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه أي وأمر ربك ألا تعبدوا غيره، إذ العبادة نهاية التعظيم، ولا تليق إلا بمن له الإنعام والإفضال على عباده، ولا منعم إلا هو.
( ٢ ) وبالوالدين إحسانا أي وإن تحسنوا إلى الوالدين وتبروهما، ليكون الله معكم إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [ النحل : ١٢٨ ].
وقد أمر سبحانه بالإحسان إليهما للأسباب الآتية :
( أ ) شفقتهما على الولد، وبذل الجهد في إيصال الخير إليه، وإبعاد الضر عنه، جهد المستطاع فوجب مقابلة ذلك بالإحسان إليهما والشكر لهما.
( ب ) إن الولد قطعة من الوالدين كما جاء في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال :" فاطمة بضعة مني ".
( ج ) إنهما أنعما عليه، وهو في غاية الضعف، ونهاية العجز، فوجب أن يقابل ذلك بالشكر حين كبرهما، كما قال الشاعر العربي يعدد نعمه على ولده وقد عقه في كبره :
غذوتك مولودا ومنتك يافعا تعلّ بما أجني عليك وتنهل
إذ ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهرا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعينيّ تمهل
تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضّل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
والخلاصة : إنه لا نعمة تصل إلى الإنسان أكثر من نعمة الخالق عليه، ثم نعمة الوالدين، ومن ثم بدأ بشكر نعمته أوّلا بقوله : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ثم أردفها بشكر نعمة الوالدين بقوله : وبالوالدين إحسانا .
ثم فصل ما يجب من الإحسان إليهما بقوله :
إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا أي إذا وصل الوالدان عندك أو أحدهما إلى حال الضعف والعجز وصارا عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أوله – وجب عليك أن تشفق عليهما، وتحنو لهما. تعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه، ويتجلى ذلك بأن تتبع معهما الأمور الخمسة الآتية :
( أ ) ألا تتأفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما، واحتسب الأجر عليه، كما صبرا عليك في صغرك.
( ب ) ألا تنغّص عليهما بكلام تزجرهما به، وفي هذا منع من إظهار المخالفة لهما بالقول على سبيل الرد عليهما والتكذيب لهما، وفيما قبله منع من إظهار الضجر القليل أو الكثير.
( ج ) أن تقول لهما قولا حسنا، وكلاما طيبا مقرونا بالاحترام والتعظيم، مما يقتضيه حسن الأدب، وترشد إليه المروءة، كأن تقول يا أبتاه ويا أماه، ولا تدعوهما بأسمائهما، ولا ترفع صوتك أمامهما، ولا تحدّق فيهما بنظرك.
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي الهدّاج قال : قلت لسعيد بن المسيّب : كل ما ذكر الله تعالى في القرآن من بر الوالدين فقد عرفته إلا قوله : وقل لهما قولا كريما [ الإسراء : ٢٣ ] ما هذا القول الكريم، فقال ابن المسيّب : قول العبد المذنب للسيد الفظّ.
( د ) أن تتواضع لهما وتتذلل، وتطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن معصية لله، رحمة منك بهما وشفقة عليهما، إذ هما قد احتاجا إلى من كان أفقر الخلق إليهما، وذلك منتهى ما يكون من الضراعة والمسكنة، ولله در الخفاجي إذ يقول :
يا من أتى يسأل عن فاقتي ما حال من يسأل من سائله
ما ذلة السلطان إلا إذا أصبح محتاجا إلى عامله
وقوله : من الرحمة أي أن يكون التذلل رحمة بهما، لا من أجل امتثال الأمر وخوف العار فقط، فتذكّ ر نفسك بما تقدم لهم من الإحسان إليك، وبما أمرت به من الشفقة والحدب عليهما.
وقد مثل حاله معهما بحال الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه لتربيته، فإنه يخفض له جناحه، فكأنه قال للولد : اكفل والديك، بأن تضمهما إلى نفسك، كما فعلا ذلك حال صغرك.
( هـ ) أن تدعو الله أن يرحمهما برحمته الباقية، كفاء رحمتهما لك في صغرك وجميل شفقتهما أن شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما في سلك القضاء بهما معا.
وقد ورد في بر الوالدين أحاديث منها :
( ١ ) إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد معه فقال :" أحيّ والداك ؟ قال : نعم، قال : ففيهما فجاهد ".
( ٢ ) ما رواه مسلم وغيره :" لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ويعتقه ".
( ٣ ) ما روي عن ابن مسعود قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ورسوله ؟ قال :" الصلاة على وقتها "، قلت : ثم أي ؟ قال :" بر الوالدين " قلت : ثم أي ؟ قال :" الجهاد في سبيل الله ".
وبر الأم مقدم على بر الأب، لما روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل من أحقّ الناس بحسن صحابتي ؟ قال :" أمك "، قال : ثم من ؟ قال :" أمك "، قال : ثم من ؟ قال :" أبوك ".
ولا يختص برهما بحال الحياة، بل يكون بعد الموت أيضا، فقد روى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ قال :" نعم، خصال أربع : الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما ".
والخلاصة : إنه سبحانه بالغ في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعر منها جلود أهل العقوق، وتقف عندها شعورهم، من حيث افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته، ثم شفعهما بالإحسان إليهما ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر، مع موجبات الضجر، ومع أحوال لا يكاد الإنسان يصبر معها، وأن يذل ويخضع لهما، ثم ختمها بالدعاء لهما والترحم عليهما، وهذه الخمسة الأشياء جعلها سبحانه من رحمته بهما، مقرونة بوحدانيته، وعدم الشرك به.
تفسير المراغي
المراغي