قوله : ومن الليل فتجهد به نافلة لك ( ٧٩ ) عطية من الله لك.
وقال الكلبي : النافلة، الفضل. قال يحيى : وسمعت بعضهم يقول : إن صلاة الليل على النبي فريضة وهي للناس تطوع١.
وقال الحسن : لم يقم النبي أقل من ثلث الليل.
الحسن بن دينار عن عون العقيلي عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شغله شيء عن صلاة الليل صلى من النهار اثني عشرة ركعة.
حماد بن سلمة عن أبي غالب عن أبي أمامة قال : النافلة لا تكون إلا للنبي.
حماد عن أبي غالب عن أبي أمامة قال : إذا توضأ الرجل فأحسن الوضوء فإن قعد قعد مغفورا له وإذا قام يصلي كانت له فضيلة. فقيل له : نافلة ؟ فقال : إنما النافلة للنبي.
قوله : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ( ٧٩ ) وعسى من الله واجبة.
قال سيبعثك ربك مقاما محمودا : الشفاعة.
يونس بن أبي إسحاق الهمداني عن أبيه عن صلة بن زفر عن حذيفة بن اليمان قال : يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد حفاة، عراة، كما خلقوا يسمعهم الداعي وينفذهم البصر حتى يُلجمهم العرق ولا تكلم نفس إلا بإذنه قال : فأول من يُدعى محمد صلى الله عليه وسلم، يا محمد فيقول : لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وإليه لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت وعلى عرشك استويت سبحانك رب البيت. ثم يقال له : اشفع قال : فذلك المقام المحمود الذي وعده الله٢.
وفي تفسير الكلبي قال : إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فبقيت زمرة من آخر زُمر الجنة وهم على الصراط لما خرج المؤمنون من الصراط بإيمانهم على قدر أعمالهم ؛ فمنهم من قد خرج كهيئة البرق، ومنهم من خرج [ ١٢ ب ] كهيئة /الريح، ومنهم من خرج كركض الفرس الجواد، ومنهم من خرج سعيا، ومنهم من خرج زحفا على قدر ما بقي له من نوره، إن قام لم يره وإن جلس نظر إليه بين يديه، فهو يزحف على استه، وهم الذين يقولون : ربنا أتمم لنا نورنا ٣ فذلك حين تقول لهم آخر زُمرة من زُمَر النار : أما نحن فأخذنا بما في قلوبنا من الشك والتكذيب فما نفعكم أنتم توحيدكم ربكم ؟ قال : وقد بلغت النار منهم كل مبلغ.
وفي حديث سعيد عن قتادة عن الحسن عن أبي نضرة عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزَته٤ ومنهم من تأخذه إلى ترقوته »٥.
قال يحيى : وبلغني أنها لا تصيب وجوههم لمكان السجود.
قال الكلبي : فيصرخون عند ذلك يدعون ربهم فيسمعهم أهل الجنة فيسعون.
أو قال : يشمون إلى آدم فيقولون : يا آدم، أناس من ذريتك لم يشركوا بالله شيئا حٌبسوا مع أهل الشرك. فيقول آدم : إني قد أخطيت خطيئة فأستحيي أن أكلّم ربي فعليكم بنوح. فيأتون نوحا فيردهم إلى إبراهيم. ثم يأتون إبراهيم فيردهم إلى موسى. ثم يأتون موسى فيردهم إلى عيسى. ثم يأتون عيسى فيردهم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيأتون محمدا فيذكرون ذلك له. فينطلق نبي الله فيأتي رب العزة فيسجد له حتى يأمره أن يرفع رأسه ثم يسأل الله عن ما يريد وهو أعلم به فيقول : ربّ، أناس من عبادك أصحاب ذنوب لم يشركوا بك وأنت أعلم بهم يُعيّرهم أهل النار بعبادتهم إيّاك فيقول الله : وعزتي لأخرجنهم منها. فيخرجهم وقد احترقوا. فيدخلون الجنة ثم ينضح عليهم من الماء حتى ينبتوا، تنبت أجسادهم ولحومهم، ثم يدخلون الجنة فيسمون الجهنميين. فيغبط ( - )٦ عند ذلك الأولون من أهل الجنة والآخرون فذلك قوله : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا .
صاحب له عن جبير عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن ابن مسعود قال : يأمر الله تبارك وتعالى بالصراط فيُضرب على جهنم، فيمر الناس على قدر أعمالهم زُمَرا، أولهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمرّ الطير، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك حتى يمرّ الرجل سعيا، وحتى يمرّ الرجل مشيا حتى يكون آخرهم رجل يتلبّط٧ على بطنه فيقول : يا رب لم أبطأت بي ؟ فيقول : لم أبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك.
قال : ثم يأذن الله في الشفاعة، فيكون أول شافع يوم القيامة روح القدس جبريل، ثم يقوم خليل الله إبراهيم، ثم موسى أو عيسى. قال أبو الزعراء : لا أدري أيهما قال : ثم يقوم نبيكم ( قائما )٨ لا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه. وهو المقام المحمود الذي ذكره الله : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ٩.
٢ - الطبري، ١٥/١٤٤-١٤٥..
٣ - التحريم: ٨..
٤ - الحجزة: مشد الإزار يعني من وسط الإنسان، لسان العرب، مادة: حجز..
٥ - التّرقوة: عظم وصل بين ثُغرة النحر والعاتق من الجانبين، جمعها: التراقي، لسان العرب، مادة: ترق..
٦ - كلمة غير مقروءة في المخطوط..
٧ - في طرة ع : يتلبط، هو من قولك لبطت الرجل لبطا إذا أنت صرعته والمعنى أنه مصروع يمشي على بطنه. انظر لسان العرب، مادة: لبط..
٨ - في الطبري، ١٥/١٤٤: رابعا..
٩ - الطبري، ١٥/١٤٤..
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي بالولاء، من تيم ربيعة، البصري ثم الإفريقي القيرواني