تفسير المفردات : والتهجد : الاستيقاظ من النوم للصلاة. نافلة : أي فريضة زائدة على الصلوات الخمس المفروضة عليك. والمقام المحمود : مقام الشفاعة العظمى حين فصل القضاء، حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه صلى الله عليه وسلم.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر كيد الكفار واستفزازهم لرسوله صلى الله عليه وسلم ليخرجوه من أرضه، وسلاّه بما سلاّه به – أمره بالإقبال على ربه بعبادته لينصره عليهم، ولا يبالي بسعيهم ولا يلتفت إليهم، فإنه سبحانه يدفع مكرهم وشرهم ويجعل يده فوق أيديهم، ودينه عاليا على أديانهم، ثم وعده بما يغبطه عليه الخلق أجمعون من المقام المحمود ثم بين أن ما أنزل عليه من كتاب ربه، فيه الشفاء للقلوب من الأدواء النفسية، والأمراض الاعتقادية، كما أنه يزيد الكافرين خسارة وضلالا، لأنه كلما نزلت عليه آية ازدادوا بها كفرا وعتوّا.
الإيضاح : ومن الليل فتهجد به أي واسهر بعض الليل وتهجد به، وهو أول أمر له صلى الله عليه وسلم بقيام الليل زيادة على الصلوات المفروضة. روى مسلم عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة ؟ قال :" صلاة الصبح " وقد ثبت في صحيح الأحاديث عن عائشة وابن عباس وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتهجد بعد نومه.
نافلة لك أي إنها مخصوصة بك وحدك دون الأمة، فهي فريضة عليك ومندوبة في حق أمتك.
عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا أي افعل هذا الذي أمرتك، لنقيمك يوم القيامة مقاما يحمدك فيه كل الخلائق وخالقهم تبارك وتعالى.
قال ابن جرير : قال أكثر أهل العلم : ذلك هو المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة في ذلك اليوم.
أخرج النسائي والحاكم وجماعة عن حذيفة رضي الله عنه قال : يجمع الله الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، قياما لا تكلم نفس إلا بإذنه، فينادي يا محمد : فيقول :" لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهديّ من هديت وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك ربّ البيت " فهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله اه.
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، حلّت له شفاعتي ".
وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي " الحديث.
وسر هذا : أن الهداة في الأرض، وهم الأنبياء ومن سلك نهجهم من الأئمة والعلماء، لا تشرق قلوبهم إلا بتوجههم إلى الله في أوقات الصلوات، فإذا أقاموا للخلق داعين أشرقت مرايا نفوسهم الصافية على من يدعونهم من العباد، فتضيء نفوسهم، فيستجيبون لدعواتهم، ويكون لهم المقام المحمود بينهم، والثناء العظيم الذي هم له أهل أنهم يحسون في أنفسهم سرورا ولذة وبهجة ورضا، فيحمدون مقامهم كما حمدهم الناس من حولهم، والله والملائكة من فوقهم.
لا جرم أن هذا المقام المحمود بالرشد والإرشاد يتبعه مقام الشفاعة، إذ لا شفاعة في الآخرة إلا على مقدار ما أوتي المشفوع له في الدنيا من علم وخلق، ولله في الشفاعة ما يشاء من غفران وإعلاء درجات.
تفسير المراغي
المراغي