ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

٧٩ - قوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ، أصل معنى الهجود في اللغة النوم (١)، وهو معروفٌ كثيرٌ في الشعر، وأهجدته وهجدته أي أنمته، ومنه قول لبيد قال:
هجِّدْنا فقد طال السُّرى (٢)
كأنه قال: نَوِّمْنَا فإن السُّرى قد طال علينا النوم، هذا هو الأصل، وروى أبو عبيد عن أبي عبيدة: الهاجد النائم، والهاجد: المصلِّي بالليل (٣).
وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: هجَّد الليلَ الرجلُ إذا صلى من الليل، وهَجَّد: إذا نام بالليل، قال: والمتهجد يكون مصليًا ويكون

(١) انظر: (هجد) في "المحيط في اللغة" ٣/ ٣٧٠، و"الصحاح" ٢/ ٥٥٥، و"اللسان" ٨/ ٤٦١٦.
(٢) وتمامه:
قال هَجِّدْنا.............. وقَدَرْنَا إن خَنَا الدَّهْرِ غَفَل
"شرح ديوان لبيد" ص ١٨٢، وورد في: "الأضداد" لابن السِّكِّيت [ثلاثة كتب في الأضداد] ص ١٩٤، و"مجاز القرآن" ١/ ٣٨٩، و"معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٥٦، و"الأضداد" لابن الأنباري ص ٥١، و"تهذيب اللغة" (هجد) ٤/ ٣٧١٦، و"الصحاح" (هجد) ٢/ ٥٥، و"تفسير الطوسي" ٦/ ٥١١، و"تفسير ابن الجوزي" ٥/ ٧٤، و"اللسان" (هجد) ٤/ ٤٦١٦ (خنا) ٣/ ١٢٨٣، (السُّري): سير الليل عامة، (قدرنا): أي وقدرنا على ورود الماء، وذلك إذا قربوا منه، (الخنى): الآفة والفساد، أي إن غفل عنا فساد الدهر فلم يعقنا، وقيل قدرنا: أي على التهجد، وقيل: على السير، والشاعر يصف نفسه بالجلد في السفر وكثرة السهر حتى تأذى رفيقه بذلك وقال له: خلنا ننام ونسحريح، قد قدرنا على ما نريد ووصلنا إلى ما نحب إن غفل عنا الدهر ولم يفسد علينا أمرنا.
(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (هجد) ٤/ ٣٧١٦، بنصه.

صفحة رقم 436

نائماً (١).
وروى عمرو عن أبيه قال: هَجد وهَجَّد: إذا قام مصلِّيًا، وهَجَد: إذا نام (٢)، وقال الليث: تهجد إذا استيقظ اللصلاة (٣).
وقال ابن بُزُرْج: هَجّدْتُه: أيقظته (٤)، وهذا قول أهل اللغة (٥) في تفسير هذا الحرف، وعلى ما ذكروا هو من الأضداد (٦)؛ كما بَيّنا، وأجاد الأزهري في تفسير التهجد فقال: المعروف في كلام العرب: أن الهاجد: النائم، وقد هجد هجودًا إذا نام، وأما المتهجِّد فهو القائم إلى الصلاة من النوم، وكأنه قيل له: متهجد؛ لإلقائه الهجود عن نفسه؛ كما قيل للعابد: متحنث؛ لإلقائه الحِنْثَ عن نفسه، وهو الإثم (٧)، وعلى ما ذكر، التهجد: بمعنى الصلاة، هو من باب تَحَرَّج وتأثَّم وتحوَّب، وهو ترك الهجود، ثم صار بمعنى الصلاة لمّا كان المصلي بالليل يترك النوم.
قال ابن عباس في قوله: فَتَهَجَّدْ بِهِ فَصَلِّ بالقرآن (٨)، وقال مجاهد: التهجد: بعد النوم (٩)، وهذا قول عبد الرحمن بن الأسود (١٠)

(١) ورد في "تهذيب اللغة" (هجد) ٤/ ٣٧١٦، بنصه تقريبًا.
(٢) و (٣) ورد في "تهذيب اللغة" (هجد) ٤/ ٣٧١٦، بنصه.
(٤) ورد في "تهذيب اللغة" (هجد) ٤/ ٣٧١٦ بلفظه، انظر: "تفسير الألوسي" ١٥/ ١٣٨.
(٥) في (أ)، (د): (الليل)، وهو خطأ ظاهر، والمثبت من (ش)، (ع) هو الصواب.
(٦) انظر: "ثلاثة كتب في الأضداد": للأصمعي ص ٤٠، والسجستاني ص ١٢٣، وابن السكت ص ١٩٤، و"الأضداد" لابن الأنباري ص ٥٠.
(٧) "تهذيب اللغة" (هجد) ٤/ ٣٧١٦، بنصه.
(٨) انظر: "تفسير ابن الجوزي" ٥/ ٧٤، بنصه.
(٩) انظر: "تفسير ابن الجوزي" ٥/ ٧٤، بنصه.
(١٠) عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو حفص، ثقة، روى عن أبيه =

صفحة رقم 437

المفسرين (١)، وانتصابه على أنه معطوف بالعطف على الصلاة في قوله: أَقِمِ الصَّلَاةَ قاله الفراء (٢) والزجاج، قال الزجاج: أي: وأقم قرآن الفجر، قال: وفي هذا الموضع فائدة عظيمة؛ تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة؛ لأنه قال: أَقِمِ الصَّلَاةَ، وأقم قرآن الفجر، فأمر أن يقيم الصلاة بالقراءة، حيث سميت الصلاة قرآنًا، فلا تكون صلاةٌ إلا بقراءة؛ انتهى كلامه (٣).
وقوله تعالى: إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِكَانَ مَشْهُودًا، كلهم قالوا: صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار (٤).
وروى أبو هريرة أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح"، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: قُرْآنَ الْفَجْرِ الآية. (٥)

(١) "تفسير مجاهد" ص ٣٦٨ بنصه، وأخرجه "الطبري" ١٥/ ١٣٩ - ١٤٠، عنهم - عدا مسروق، أورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٥٥ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ١٢٩، بمعناه.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٥٥، بنصه.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ١٥/ ١٣٩، و"ابن عطية" ٩/ ١٦٦.
(٥) وطرف الحديث: "فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل.. " الحديث، أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ١/ ٥٢٢ بنصه، وأحمد ٢/ ٤٧٤، بنحوه، والبخاري (٤٧١٧) كتاب: التفسير، سورة الإسراء، باب: قوله أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ بنصه، ومسلم (٦٤٩/ ٢٤٦) كتاب: المساجد، فضل الجماعة، وابن ماجه (٦٧٠) كتاب: مواقيت الصلاة؛، وقت الصلاة الفجر، بنحوه، والترمذي (٣١٣٥) كتاب: التفسير، الإسراء، بنحوه وقال: حسن صحيح، والنسائي: الصلاة، فضل الصلاة الجماعة =

صفحة رقم 438

وقال ابن مسعود: يتدارك الحارسان؛ حارس الليل وحارس النهار من الملائكة في صلاة الفجر، وإن شئتم فاقرءوا: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (١).
وقال الكلبي: ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الغداة خلف الإمام، تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة قبل أن تعرج ملائكة الليل، فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار، فتقول ملائكة الليل إذا صعدت إلى ربها: ربنا إنا تركنا عبادك يصلون لك، ويقول الآخرون: ربنا أتينا عبادك وهم يصلون، فيقول الله لملائكته: اشهدوا أني قد غفرت لهم (٢)، وهذا معنى قول ابن عباس، ويريد أن ذلك كفارة لما صنعت، وفي هذا أيضًا دليل على أن السُنَّة التبكير بهذه الصلاة؛ لأنه إنما يشهدها القبيلان من الملائكة إذا بُكِّرَ بها، فإذا لم يُبَكَّر بها في أول الفجر كانت ملائكة الليل قد عرجت فلم تشهدها، والسُنَّة أن يصلى في الوقت الذي يشهدها القبيلان جميعًا.

= ١/ ٢٤١ بنصه، و"الطبري" ١٥/ ١٤١، بنحوه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨٣، بنحوه، و"تفسير الثعلبي" ٧/ ١١٧ أ، بنصه، و"الدر المنثور" ٤/ ٣٥٥ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(١) أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٤١، بنحوه، والطبراني في "الكبير" ٩/ ٢٦٥، بنحوه، وورد في "تفسير هود الهواري" ٢/ ٤٣٧، بنحوه، و"الدر المنثور" ٤/ ٣٥٥ وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.
(٢) لم أقف عليه، وقد ورد بهذا المعنى حديث صحيح مشهور، رواه أبو هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وطرفه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار..) أخرجه البخاري (٥٥٥) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاتى العصر، ومسلم (٦٣٢) كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر.

صفحة رقم 439

وعلقمة وإبراهيم وجميع المفسرين (١).
قال الحجاج بن عمرو المازني (٢): أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد؟! إنما التهجد: الصلاة بعد رقدة ثم صلاة بعد رقدة ثم صلاة بعد رقدة، وتلك كانت صلاة (٣) رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (٤)، وهذا يدل على صحة قول الأزهري في تفسير التهجد، حيث لم يجعلوا الساهر ليله كله متهجدًا، وجعلوا التهجد بعد النوم، ولو كان ضدًا للنوم لكان الساهر جميع ليله متهجدًا.

= وعلقمة، وعنه الأعمش وهارون بن عنترة، مات سنة (٩٩ هـ)، انظر: "الجرح والتعديل" ٥/ ٢٠٩، و"الكاشف" ١/ ٦٢١ (٣١٤١)، و"تقريب التهذيب" (٣٨٠٣).
(١) أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٤١ - ١٤٢ بنصه من طرق عنهم، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨٣ بنصه عن علقمة والأسود، و"تفسير الجصاص" ٧/ ٢٠٣ بنصه عن الأسود وعلقمة، و"الثعلبي" ٧/ ١١٧ أبنصه، و"الطوسي" ٦/ ٥١١ بنصه عن الأسود وعلقمة، انظر: "تفسير ابن كثير" ٣/ ٦١، عنهم، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٥٥ وزاد نسبته إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن علقمة والأسود.
(٢) الحجاج بن عمرو المازني الأنصاري الخزرجي -رضي الله عنه-، له صحبة، روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثين؛ أحدهما في الحج والآخر في التهجد، وهو الذي ضرب مروان يوم الدار -يوم حصر عثمان -رضي الله عنه- في داره- فأسقطه، وشهد صفين مع علي.
انظر: "الاستيعاب" ١/ ٣٧٨، و"أسد الغابة" ١/ ٦٩٢، و"الإصابة" ١/ ٣١٣، و"تقريب التهذيب" ص ١٥٣ (١١٣٢).
(٣) ساقطة من (د).
(٤) أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٤٢ مختصرًا، وورد في "تفسير الجصاص" ٣/ ٢٠٧ بنصه، وانظر: "تفسير ابن عطية" ٩/ ١٤٢ و"الفخر الرزي" ٢١/ ٣٠، و"القرطبي" ١٠/ ٣٠٨، و"الألوسي" ١٥/ ١٣٨.

صفحة رقم 440

وقوله تعالى: بِهِ قالوا: بالقرآن نافلة لك، معنى النافلة في اللغة: ما كان زيادة على الأصل، ذكرنا هذا في قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ، ومعناها أيضًا في هذه الآية: الزيادة.
قال مجاهد: النافلة للنبيّ -صلى الله عليه وسلم- خالصة؛ من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهي نافلة له، من أجل أنه لا يعمل ذلك في كفارة الذنوب، فهي نوافل له خاصة وزيادة، والناس يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتهم فليس لهم نوافل (١).
وقال السدي: نافلة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة؛ لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وليست لنا بنافلة لكثرة ذنوبنا إنما نعمل لكفاراتها (٢)، وهذا قول أكثر المفسرين.

(١) أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٤٣ بنصه، والبيهقي في "الدلائل" ٥/ ٤٨٧ بنصه تقريبًا، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨٤، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٨٠ مختصرًا، و"الثعلبي" ٧/ ١١٧ أ، بنحوه، و"الماوردي" ٣/ ٢٦٤ مختصرًا، و"الطوسي" ٦/ ٥١٢ مختصرًا، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٥٦ وزاد نسبته إلى ابن المنذر ومحمد بن نصر، ولم ير الطبري هذا القول، ورده وحكم عليه بالفساد، وقال: لا معنى له؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر عنه- أكثر ما كان استغفارًا لذنوبه بعد نزول قول الله عز وجل: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ٢]، وكان يعد له في المجلس الواحد استغفار مئة مرة، ومعلوم أن الله لم يأمره أن يستغفر إلا لما يغفر له باستغفاره ذلك. ا. هـ. نعم كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر من الاستغفار، لكن لا على أنه استغفار من الذنوب كذنوبنا، بل كما قال: "إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة" رواه مسلم (٢٧٠٢) كتاب: الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار، قال ابن الأثير: الغين: الغيم، أراد ما يغشاه من السّهو الذي لا يخلو منه بشر؛ لأن قلبه أبدًا كان مشغولًا بالله تعالى. "النهاية" ٣/ ٤٠٣.
(٢) انظر: تفسير الفخر الرازي" ٢١/ ٣٠، بنحوه، و"أبي حيان" ٦/ ٧١.

صفحة رقم 441

قال أبو أمامة: إنما النافلة للنبيّ -صلى الله عليه وسلم- (١).
وقال الحسن: لا تكون نافلة إلا للنبيّ -صلى الله عليه وسلم- (٢).
وقال ابن عباس خاصة (٣)، وهذا كله مما ذكره مجاهد والسدي: أن صلاة الليل كانت زيادة للنبيّ -صلى الله عليه وسلم- للدرجات لا للكفارات.
ولا يدل قوله: نَافِلَةً على أنها لم تكن واجبة عليه، فقد روى عطاء عن ابن عباس في قوله: نَافِلَةً لَكَ يريد فريضة عليك زائدة على الفرائض خُصِصتَ بها من بين أمتك (٤)، هذا الذي ذكرنا مذهب أكثر أهل التفسير (٥).
وذهب قوم إلى أن معنى النافلة: التطوع الذي يتبرع به الإنسان، وقالوا: إن صلاة الليل كانت واجبة عليه ثم نُسخت عنه فصارت نافلة، أي تطوعًا وزيادة على الفرائض يتبرع بها، وهو قول قتادة والمبرد وعبد الله بن

(١) أخرجه الطيالسي ص ١٥٥ بنصه تقريبًا، و"الطبري" ١٥/ ١٤٣ بنصه، والطبراني في "الكبير" ٨/ ١٤٥، بنصه، والبيهقي في الشعب ٣/ ٢٨، بنصه، وورد في "تفسير الجصاص" ٣/ ٢٠٧ بنصه، و"السمرقندي" ٢/ ٢٨٠ - بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٥٦ وزاد نسبته إلى ابن نصر وابن مردويه.
(٢) انظر: "تفسير ابن الجوزي" ٥/ ٧٥، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٥٦ وعزاه إلى محمد بن نصر.
(٣) ورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١١٧ أ- بلفظه، انظر: "تنوير المقباس" ص ٣٠٤.
(٤) أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٤٢، بنحوه من طريق العوفي (ضعيفة)، ورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١١٧ أ، بنحوه، و"الماوردي" ٣/ ٢٦٤ - مختصرًا، و"الطوسي" ٦/ ٥١١، بنحوه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٥٥ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ١٥/ ١٤٢ - ١٤٣ ورجحه، و"هود الهواري" ٢/ ٤٣٧، و"الثعلبي" ٧/ ١١٧ أ، و"السمعاني" ٣/ ٢٦٩، و"البغوي" ٥/ ١١٥.

صفحة رقم 442

مسلم (١) وانتصب نافلة بوقوع التهجد عليه؛ لأن معى التهجد: صل بالليل نافلة، أي صلاة نافلة.
وقوله تعالى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ قال ابن عباس: عسى من الله واجب (٢)، وكذلك قال المفسرون كلهم في عسى من الله (٣).
قال أهل المعاني: وإنما كان كذلك لأن معنى عسى في اللغة: التقريب والإطماع، ومَنْ أطمع إنسانًا في شيء ثم حَرَمَه كان غارًّا، والله أكرم من أن يُطمع أحدًا في شيء ثم لا يعطيه ذلك (٤).
قوله تعالى: مَقَامًا مَحْمُودًا أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة (٥)؛ كما قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في هذه الآية: "هو المقام الذي أشفع فيه

(١) "الغريب" لابن قتيبة ١/ ٢٦١ قال: تطوعًا، وأخرجه "عبد الرزاق" ٢/ ٣٨٦، و"الطبري" ٨/ ١٣٠، عن قتادة، قال: تطوعًا وفضيلة لك، وورد عن قتادة -كروابة الطبري- في "تفسير الجصاص" ٣/ ٢٠٧، و"الثعلبي" ٧/ ١١٧ أ، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٥٦ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر عن قتادة.
(٢) ورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨٥، بنحوه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، انظر: "تنوير المقباس" ص ٣٠٤، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ١/ ٤٣٨ بنصه، وعزاه إلى ابن المنذر والبيهقي في سننه.
(٣) ورد في "تفسير مقاتل" ١/ ٢١٨ ب، و"الطبري" ١٤٣/ ١٥، و"هود الهواري" ٢/ ٤٣٧، و"الطوسي" ٦/ ٥١٢.
(٤) ورد نحوه في "تفسير الطبري" ١٥/ ١٤٣، و"الثعلبي" ٧/ ١١٧ أ، انظر: "تفسير الفخر الرازي" ٢١/ ٣١، و"الخازن" ٣/ ١٧٥.
(٥) انظر: "تفسير مجاهد" ١/ ٣٦٩، و"تفسير مقاتل" ١/ ٢١٨ ب، و"عبد الرزاق" ٢/ ٣٨٦، و"الطبري" ٨/ ١٣١ - ١٣٢، و"هود الهواري" ٢/ ٤٣٧، و"الثعلبي" ٧/ ١١٧ أ، و"الماوردي" ٣/ ٢٦٥، و"الطوسي" ٦/ ٥١٢، وأورده السيوطي في =

صفحة رقم 443

لأمتي" (١)، رواه أبو هريرة.
قال ابن عباس: عسى من الله واجب، يريد أعطاك الله يوم القيامة مقامًا محمودًا يحمدك فيه الأولون والآخرون، تَشْرُف فيه على جميع الخلائق، وتَسأل فتُعطى وتَشفع فتُشَفَّع، ليس أحدٌ إلا تحت لوائك (٢)
وروي عن مجاهد في تفسير قوله: يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا قال: يجلسه معه على العرش (٣).
وروي عن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية: يقعده على العرش (٤)،

= "الدر المنثور" ٤/ ٣٥٦ - ٣٥٩ بعدة روايات عن: ابن عمر وأبي هريرة وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وكعب بن مالك وحذيفة وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وسلمان -رضي الله عنهم-.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٢٣ بمعناه، وأحمد ٢/ ٤٤١، ٥٢٨ بنصه، والترمذي (٣١٣٧) كتاب: التفسير، باب: ومنه سورة بني إسرائيل. بمعناه وحسنه، و"الطبري" ١٥/ ١٤٦ بنصه، والبيهقي في "الدلائل" ٥/ ٤٨٤ - بمعناه، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٨٥، بنصه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٥٦ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه. والحديث ضعيف- كما قال شاكر في "شرح المسند" ٩/ ٢٠٤ - لضعف داود الأَوْديّ الذي روى الحديث عن أبيه عن أبي هريرة، وقد ضعفه كثير من العلماء، انظر: ترجمته في "ميزان الاعتدال" ٢/ ٢١١، و"تهذيب التهذيب" ١/ ٥٧٢.
(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٥٣٤، انظر: "تفسير الزمخشري" ٢/ ٣٧٢، و"تنوير المقباس" ص ٣٠٤.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٣٠٨، بنحوه، و"الطبري" ١٥/ ١٤٥ بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١١٨ أبنصه، و"الماوردي" ٣/ ٢٦٥، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ١٢١، و"ابن الجوزي" ٥/ ٧٦، و"العلو" للذهبي ص ٩٤.
(٤) ورد في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١١٨ أبنصه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" ٥/ ٧٦، و"العلو" للذهبي ص ٧٥.

صفحة رقم 444

وهذا تفسير فاسد وقول رذل، وقول مجاهد: معه، قولٌ موحش فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير؛ وهو قوله: يَبْعَثُكُمْ والبعث لا يكون بمعنى الإجلاس، ومن فَسَّر البعث بالإجلاس فقد فَسَّره بضد ما وُضع له؛ لأن البعث وضع للإثارة؛ يقال: بعثت المبارك والقاعد فانبعث، هذا هو الأصل، ثم يقال: بعث الله الميت، وبعث بمعنى أرسل راجع إلى هذا، لأنه يقيمه إلى ما يرسله إليه وله، ولأن الله تعالى قال: مَقَامًا مَحْمُودًا ولم قل: مقعدًا، والمقام موضع القيام، يدل على هذا قوله: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٩٧]، وهو موضع قدميه في حال قيامه، وقول الشاعر:
هذا مقام قدمي رباح (١)
وإذا فسد هذا الفساد الظاهر لم يُعتد به (٢).

(١) سبق.
(٢) لقد أجاد الواحدي -رحمه الله- في رد هذا القول، لكن الغريب أن الطبري -مع ترجيحه لقول الجمهور- لم يستنكر هذا القول، بل قال: إن ما قاله مجاهد قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك. "تفسير الطبري" ١٥/ ١٤٧، ومعلوم أن عدم ورود الخبر عن المعصوم بذلك يكفي لإبطال هذا القول لا العكس، ولأن هذا الخبر غيبي عقدي فلا يثبت إلا بالخبر الصحيح ولا يجدي النظر في إثبات هذه القضية، لذلك لا محيد عن قول الجمهور في هذه القضية، وهو الذي أيّدته الأخبار الصحيحة، وكذلك الأخبار التي اعتمد عليها الطبري في تسويغ الجلوس لا تثبت؛ فقد ردها علماء الحديث، وفي مقدمتهم الذهبي، فقد أورده في "العلو" ص ٧٥ من طريقين عن أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن ابن مسعود بنحوه، ثم قال: هذا حديث منكر لا يفرح به، وسلمة هذا متروك الحديث، وأشعث لم يلحق ابن مسعود، وذكر الذهبي للأثر شاهدًا بنحوه عن عبد الله بن سلام موقوفًا عيه، وقال: هذا كوقوف ولا =

صفحة رقم 445

وفي القول الذي عليه الناس معنى قوله: يَبْعَثَكَ يقيمك في ذلك

= يثبت إسناده، وإنما هذا شيء قاله مجاهد. كما أن له شاهدًا آخر من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في "الكبير" ١٢/ ٦١ - بنحوه، من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن ابن جبير عن ابن عباس، وأورده الهيثمي في "المجمع" ٧/ ٥١ وقال: وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف إذا لم يتابع، وعطاء بن دينار قيل لم يسمع من سعيد بن جبير.
أما أثر مجاهد فقد أورده الذهبي في "العلو" ص ٩٤ وقال: لهذا القول طرق خمسة، وأخرجه ابن جرير في تفسيره، وعمل فيه المروزي مصنفًا. وفي سند الطبري ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف مختلط- كما في "ميزان الاعتدال" ٣/ ٤٢٠، وهذا الأثر مما أُنكر على مجاهد حتى قُرن في ترجمته، قال الذهبي في ترجمة مجاهد في "ميزان الاعتدال" ٤/ ٣٥٩: ومن أَنْكَر ما جاء عن مجاهد في التفسير في قوله: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا قال: يُجلسه معه على العرش. وقال ابن عبد البر: مجاهد وإن كان أحد الأئمة بالتأويل، فإن له قولين مهجورين عند أهل العلم؛ أحدهما هذا القول، والثاني في تأويل وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣] قال: معاه تنتظر الثواب. انظر: "تفسير القرطبي" ١٠/ ٣١١، و"أبي حيان" ٦/ ٧٢، والشوكاني ٣/ ٣٦٠.
فالحديث باطل لا يثبت لا من جهة الخبر ولا النظر، والأغرب من قول الطبري تشبث بعض المحدثين بهذا الخبر والمبالغة في قبوله إلى حد الغلو، فقد ذكر الذهبي في "العلو" ص ١٠٠ - ١٠١ - ١١٧ - ١١٨ أن بعض المحدثين قال: لو أن حالفًا حلف بالطلاق ثلاثًا أن الله يقعد محمدًا -صلى الله عليه وسلم- على العرش واستفتاني، لقلت له: صدقت وبررت! وعقب الذهبي قائلاً: فابصر -حفظك الله من الهوى- كيف آل الغلو بهذا المحدث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر.. ، وذكر النقاشر عن أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكرَ هذا الحديث فهو عندنا متهم، ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا. انظر: "تفسير ابن عطية" ٩/ ١٧١، و"القرطبي" ١٠/ ٣١١، و"أبي حيان" ٦/ ٧٢، و"تفسير الماوردي" ٣/ ٢٦٥ حاشية رقم (٤٤٩)، و"سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٨٦٥) ٢/ ٢٥٥.

صفحة رقم 446

المقام، يدل على هذا ما رُوي في حديث الشفاعة: ".. فأكون أول من يدعى وأول من ينادى فأقول: لبيك وسعديك.. " الحديث (١).
وانتصب قوله: مَقَامًا على الظرف؛ كأنه قيل في مقام.
وقوله تعالى: مَحْمُودًا يجوز أن يكون انتصابه على الحال مِنْ يَبْعَثَكَ، أي: يبعثك محمودًا يحمدك فيه الخلق، وبجوز أن يكون نعتًا في اللفظ، وهو في المعنى لمحمد -صلى الله عليه وسلم-، تقديره: مقامًا محمودًا فيه أنت، ويدل على هذا الوجه ما رُوي في الحديث: "وابعثه المقام المحمود حتى يغبطه به الأولون والآخرون" (٢)، والمعنى: ابعثه المقام المحمود فيه هو.

(١) أحاديث الشفاعة كثيرة وبعدة روايات في الصحيحين وغيرهما، لكني لم أقف على حديث بهذا اللفظ، وأقرب لفظ وجدته حديثان؛ أحدهما: موصول، والآخر: مرسل، أما الحديث الموصول، فعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: (يُجْمَعُ الناس في صعيد، فلا تكلم نفسٌ، فأول من يتكلم محمد -صلى الله عليه وسلم- فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك.. قال حذيفة: فذلك المقام المحمود) أخرجه "عبد الرزاق" ٢/ ٣٨٧، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٢٣، ٧/ ١٥٣، والنسائي في "تفسيره" ١/ ٦٦٠، والبزار [البحر الزخار] ٧/ ٣٢٩، و"الطبري" ١٥/ ١٤٤، والحاكم: التفسير/ الإسراء ٢/ ٣٦٣ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة ووإفقه الذهبي، وأبو نعيم في "الحلية" ١/ ٢٧٨، وأورده الهيثمي في "المجمع" ١٠/ ٣٧٧ وقال: رواه البزار موقوفًا ورجاله رجال الصحيح، أورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٣٥٧ وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والخطيب في المتفق والمفترق. أما الحديث المرسل؛ فأخرجه "عبد الرزاق" ٢/ ٣٨٧، عن معمر عن الزهري عن علي بن الحسين، أن النبي قال: (إذا كان يوم القيامة مدّ الله الأرض مد الأديم.. قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها..) الحديث.
(٢) لم أجد حديثًا بهذا اللفظ، وأقرب لفظ لهذا الحديث ما ورد في فضل الدعاء عند النداء، وروايته: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من قال حين يسمع =

صفحة رقم 447

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية