ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

نافلة الليل و حسن عاقبتها
" ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ".
( سورة الإسراء الآية. ٨٠ )
الألفاظ والتراكيب :
" من " : للتبعيض. " الهجود " : النوم. والهاجد : النائم، وجمعه هجود. ومنه قول الشاعر :
" إلا طرقتنا والرفاق هجود "
( والتهجد ) ترك الهجود : كالتحرج و التأثم، في ترك الإثم والحرج.
و بناء ( تفعل ) يكثر في التحصيل كتعلم وتقدم. وجاء قليلا في معنى الترك، والمراد منه هنا ترك النوم للقيام بالعبادة.
النافلة اسم ومصدر :
( النافلة ) قال الجوهري : هي عطية التطوع من حيث لا تجب، ومنه نافلة الصلاة أ ه، أي أن الصلاة مؤداة على وجه التطوع دون الوجوب، فلذا قيل فيها : نافلة.
وهي على كلام الجوهري بمعنى الشيء الزائد : فهي اسم غير مصدر.
و قال أبوا البقاء و غيره : النافلة الزيادة، فهي مصدر كالعاقبة.
( عسى )، للرجاء و هي من الله تعالى على الوجوب١ ؛ لأن إطماعه تعالى لعباده في الجزاء على أعمالهم هو من وعده، ومحال عليه تعالى أن يخلفه.
( مقاما ) محل القيام. ( محمودا ) مثنيا عليه.
( من الليل ) متعلق بفعل محذوف دل عليه تهجد، تقديره : أسهر. والضمير في ( به ) عائد على القرآن، لتقدم ذكره و لا تراعى الإضافة.
والباء باء الأداة ؛ لأن التهجد بمعنى التعبد يحصل بالقرآن، أي بالصلاة.
ويحتمل أن يكون الضمير عائدا على الليل ؛ فالباء بمعنى في أي فيه ( نافلة ) مصدر منصوب بتهجد لاتفاقهما في المعنى.
والتقدير : تنقل نافلة، وهذا يجري على الوجهين في معاد الضمير٢. و يحتمل أن يكون حالا، و هذا يجري على عود الضمير على القرآن بمعنى الصلاة.
المقام ظرفا ومصدرا :
( مقاما )، إما مصدر من غير لفظ عامله الذي هو يبعثك، بمعنى يقيمك من مرقدك. و إما ظرف أي يبعثك في مقام.
( ومحمودا )، صفة لمقام. ولكن الذي يحمد حقيقة هو القائم في المقام ؛ فجعل الحمد للمقام توسعا، تنبيها على عظم الحمد وكثرته ؛ فإنه فاض على صاحب المقام حتى غمر مقامه.
المعنى :
اسهر بعضا من الليل فتعبد بالقرآن في الصلاة، زيادة على تعبدك به في صلاة فرضك ؛ فتكون على رجاء أن يبعثك ربك من مرقدك يوم يقوم الناس لرب العالمين ؛ فيقيمك مقاما يحمدك فيه جميع الناس، لما يرون لك من فضل، و ما يصل إليهم بسببك من خير.
مسائل :
كيفية التهجد :
المسألة الأولى : كيف يكون التهجد ؟
فأما اللفظ فإنه يفيد ترك النوم للعبادة، فيشمل تركه كله أو بعضه : بأن لم ينم أصلا. أو لم ينم أولا ثم رقد. أو نام أولا ثم قام.
لكن ثبت أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كان ينام، ثم يقوم فبينت السنة العملية، أن التهجد المطلوب هو القيام بعد النوم.
المسألة الثانية :
أكان التهجد على الرسول وحده ؟
هل كان قيام الليل فرضا عليه – صلى الله عليه و آله وسلم – دون أمته، بمقتضى قوله تعالى " نافلة لك " ؟
رأي والرد عليه :
أولا – قد ذهب إلى هذا٣ جماعة كثيرة من أهل العلم سلفا وخلفا.
و يرد عليه :
١- أن توجيه الخطاب إليه لا يقتضي تخصيص الحكم به، كما في آية :
" أقم الصلاة لدلوك الشمس " و آيات كثيرة.
٢- و لأن قيام الليل يقع من غيره ؛ فيسمى نافلة اتفاقا.
٣- و لحديث عائشة رضي الله عنها :" إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة – تعني سورة المزمل – قم الليل. فقام النبي صلى الله عليه و آله وسلم و أصحابه حولا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا، حتى أنزل الله – في آخر هذه السورة – التخفيف، فصار قيامه تطوعا بعد فرضه ".
رواه مسلم.
فهذا يدل على أنهم فهموا أن الأمر من قوله تعالى :" قم ". لهم معه، مع أنه موجه إليه بخطاب الأفراد. وأنه كان فرضا عليه وعلى الناس، فصار تطوعا عليه وعلى الناس.
٤- و لحديث المغيرة بن شعبة في الصحيحين و غيرهما :" قام رسول الله – صلى الله عليه و آله وسلم – حتى تورمت قدماه "، وهذا لمداومته على القيام كل ليلة ببضع عشرة ركعة. فقيل له : قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال : أفلا كون عبدا شكورا ".
فلو كانوا يعلمون أن قيام الليل واجب عليه، ويفهمونه من القرآن لما أنكروا – مشفقين عليه – أن يقوم بما هو واجب عليه، ولأن قوله :" أفلا أكون عبدا شكورا "، يفيد أنه متطوع بهذا القيام باختيار، ليؤدي شكر نعمة ربه عليه.
سؤال وجوابه
فإن قيل : إن السؤال والجواب راجعان إلى تورم قدميه، وذلك ناشيء على المداومة ؟
قيل : إذا أنكرت الشيء عن المداومة فقد أنكرت المداومة، و المداومة على الفرض لا تنكر، فبقي الدليل سالما.
التوفيق بين الرأيين :
ثانيا : ولهذا كله، قال هؤلاء الموردون :
إن قيام الليل تطوع ونفل في حقه وفي حق أمته.
و بقي للأولين٤ أن يقولوا :
أ- إن قوله تعالى :" عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ". خاص به صلى الله عليه وآله وسلم اتفاقا، وقد جعل جزاء لتهجده بالليل، و لما كان الجزاء خاصا به فالعمل المجزي عنه خاص به. فلهذا حملنا قوله على معنى دون غيرك.
ب- و لما رأيناه واظب على التهجد ولم يتركه، حملناه على أنه كان مفروضا عليه. وحملنا نافلة على معنى أنها فريضة زائدة فوق الصلوات الخمس.
فيقول المخالفون في هذا :
إنكم حملتم النافلة على الفريضة٥، وهذا خلاف أصل معناها الذي هو التطوع.
وأما ما ذكرتم من خصوص الجزاء به٦. فإنا نقول إن الخطاب موجه له في الأول و في الآخر ؛ ففي الأول لما لم يعارضنا معارض ألحقنا به أمته ؛ و في الثاني لما منعنا مانع، وهو اختصاصه بالمقام المحمود لم نلحقهم به. و بقي الجزاء مساويا للعمل في صورة اللفظ حيث كان كل منهما موجها إليه.
و إذا تأملت في هذا البحث الذي سقناه أدركت أن القول بعدم الخصوصية هو الراجح، فالآية حث وترغيب على قيام الليل للعموم، ووعد له – صلى الله عليه و آله وسلم – بالمقام المحمود. ٧
المقام المحمود والشفاعة :
المسألة الثالثة :
المقام المحمود والشفاعة
ما هو المقام المحمود ؟
هو مقامه صلى الله عليه و آله وسلم، للشفاعة العظمى، يشفع للخلائق و قد جهدوا من كرب الموقف. ٨فجاءوا إلى كبراء الرسل – عليهم الصلاة والسلام – يسئلونهم أن يشفعوا لهم إلى ربهم، ليفصل القضاء، ويريحهم من كرب الموقف، فيتدافع٩ الشفاعة أولئك الرسل – عليهم الصلاة والسلام – ويتنصلون منها بأعذار رهيبة للرب جل جلاله، حتى ينتهوا إليه – صلى الله عليه و آله وسلم – فيتقدم فيشفع، و يسأل فيعطى، جاء هذا كله مفصلا في الأحاديث الصحيحة المستفيضة. فيحمده الخلق كلهم لما يرون من فضله عند ربه، ولما وصل إليهم من الخير المطلوب بسببه.
شفاعات أخرى :
ثم له – صلى الله عليه و آله وسلم – بعد هذه الشفاعة العظمى شفاعات أخرى بينتها صحاح الأحاديث.
ولعموم فضل هذه الشفاعة العظمى لأهل الموقف كلهم قال – صلى الله عليه و آله وسلم – كما في صحيح مسلم :
" أنا سيد الناس يوم القيامة ". و السيد من يتولى أمر السواد، فظهر عموم سيادته بعموم نفعه.
و قد فسر المقام المحمود بمقام الشفاعة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رواه عنه البخاري في صحيحه، وفسره بها غيره.
المسألة الرابعة : هل المقام المحمود خاص به ؟
ما يقال عند الأذان :
قد علمت من المسألة السابقة أنه مقام الشفاعة العظمى، و هي خاصة به فهو خاص به. و يدل عليه حديث جابر الصحيح :
" من قال حين يسمع النداء – الأذان - : اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته – حلت له شفاعتي يوم القيامة ؛ فهو صلى الله عليه وآله وسلم الموعود بالمقام المحمود ".
تنبيه و إلحاق :
قد جعل الله تعالى جزاء نبيه – صلى الله عليه و آله وسلم – على تهجده، وخلوته بربه في مناجاته، هذا المقام الذي يحمده فيه الخلق، ويتقبل فيه شفاعته، ويستجيب دعوته، ويفتح عليه فيه بمحامد من ذكره، لم يفتح عليه بها قبل.
ففي هذا تنبيه للمؤمنين على حسن عاقبة القائمين لربهم في جنح الليل، و ما يكون لهم من مقامات عند ربهم على حسب منازلهم. فكما كان المؤمنون ملحقين بنبيهم – صلى الله عليه و آله وسلم- في مشروعية هذه العبادة، كذلك هم ملحقون به في حسن الجزاء عليه.
و إن كان قد خصص هو عليه السلام بذلك الجزاء الأعظم – فلهم جزاؤهم : من مقامات القرب، والزلفى، والقبول، والرضا، على ما يناسب منازلهم، جزاء بما كانوا يعملون.
جعلنا الله من العابدين له المخلصين في أقوالهم و أفعالهم، وأوردنا حوض النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – و رزقنا شفاعته.

١ و ذلك شأن العظيم..
٢ أي عود الضمير على القرآن في الآية السابقة، أو عوده على الليل بمعنى فيه، وفيه إذن استعارة تبعية و الحروف تنوب عن بعضها كثيرا كقوله تعالى " و لأصلبنكم في جذوع النخل "..
٣ أي بادلة الرد على أن قيام الليل كان فرضا عليه، صلى الله عليه وسلم..
٤ القائلين بالفرضية..
٥ فيمن قال أنه فرض عليه، عليه الصلاة والسلام..
٦ في تخصيصه بالمقام المحمود..
٧ فالإمام يرجح العموم على الخصوص..
٨ حيث ورد في الحديث انه صلى الله عليه وآله وسلم، يقول للخلائق – حين تنتهي إليه : أنا لها، ، ثم يتقدم فيسجد لله و يسأله الشفاعة، فيقول الله له: اشفع تشفع، واسأل تعط. في ذلك اليوم الذي تشيب فيه الولدان، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى و ما هم بسكارى، والذي مقداره ألف سنة مما تعدون..
٩ يتدافعها أي يدفعها الأنبياء المسئولون إلى غيرهم، قائلين : نحن لسنا لها، كما جاء في حديث الشفاعة.
.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير