ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

قوله: وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ.
معناه: ومن الليل يا محمد فاسهر بالقرآن نَافِلَةً لَّكَ أي: خاصة لك دون أمتك. والتهجد: التيقظ، والسهر بعد نومة من الليل، والهجود: النوم. يقال: تهجد زيد إذا سهر، وهجد إذا نام.
قال علقمة والأسود: التهجد بعد نومة.
وقال الحسن: التهجد ما كان بعد العشاء الآخرة.
قال ابن عباس معنى: " نافلة لك ": فرضاً عليك. فرض الله ذلك على النبي ﷺ. وقيل: إنما قيل له: " نافلة لك " لأنه لم يكن فعله ذلك ليكفر عنه شيئاً من الذنوب. فهو نافلة للنبي [عليه السلام] لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو نافلة له لأنه لا ذنب له، يكفر بنوافله، وهو لأمته كفارة لذنوبهم، قال ذلك مجاهد.

صفحة رقم 4267

وقول ابن عباس: أولى. لأن هذه السورة نزلت بمكة وسورة الفتح إنما نزلت بعد منصرفه من الحديبية، فنزل عليه الأمر بالنافلة قبل معرفته بأن الله [ تعالى] قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فواجب أن يكون ذلك فرضاً عليه خاصة. خصّه الله [ تعالى] به، لأن الصلاة بالليل أفضل أعمال الخير / فَخَضَّ الله [سبحانه] نبيه ﷺ على أفضل الأعمال.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة الصلاة بالليل ".
وقال عليه السلام: " عليكم بالصلاة بالليل فإنها دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى الله [ تعالى]، وكفارة للسيئات ".
وعنه ﷺ أنه قال: " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ".
وقال: " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً ".

صفحة رقم 4268

وقال [النبي] عليه السلام: " صلوا بالليل ولو ركعتين. ما من أهل بيت تعرف لهم صلاة إلا ناداهم مناديا أهل الدار: قومواإلى صلاتكم ".
وفضل الصلاة بالليل عظيم جسيم إليه انتهت العبادة وقد قال ﷺ: " إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم سأل الله خيراً وهو يصلي إلا أعطاه وهي في كل ليلة ".
ثم قال [تعالى]: عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً.
وعسى من الله واجبة، لأن الله [ تعالى] لا يدع أن يفعل بعباده ما أطعمهم به من الجزاء على أعمالهم لأنه ليس من عادته الغرور ولا من صفته.
والمقام المحمود: هو الشفاعة. قاله: ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج والحسن.
وقال حذيفة: يجمع الله [ تعالى] الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي

صفحة رقم 4269

وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، سكوتاً لا تكلم نفس إلا بإذنه، فينادي محمداً ﷺ فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهتدي من هديت، وعبدك بين يديك، ولك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت ".
قال: فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله جل ذكره.
وعن ابن عباس أنه قال: بلغنا أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بقيت آخر زمرة من زمرة الجنة وآخر زمرة من زمر النار، فتقول زمرة النار لزمرة الجنة: أما نحن فحسبنا ما علم الله [ تعالى] في قلوبنا من الشك والتكذيب فما ينفعكم إيمانكم فإذا قالوا لهم ذلك دعوا ربهم [ تعالى] وصاحوا بأعلى أصواتهم، فيسمع أهل الجنة أصواتهم فيسألون آدم الشفاعة لهم. فيأبى عليهم. ثم يمضون من نبي إلى نبي فكلهم يعتذر حتى يأتوا محمداً ﷺ [ فيشفع لهم] فذلك المقام المحمود وحديث الشفاعة مختلف الألفاظ طويل ذكرنا منه ما يليق بالكتاب.

صفحة رقم 4270

وعن مجاهد من رواية ليث، عنه أنه قال: المقام المحمود يجلسه معه على عرشه.
و [عن] النبي عليه السلام في قوله: " مقاماً محموداً " أنه قال: " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " رواه أبو هريرة عنه.
وروى كعب بن مالك أن النبي عليه السلام قال: " يحشر الناس يوم القيامة [فأكون أنا وأمتي] على تل فيكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود ".
قال عبد الله بن عمر: أن النبي عليه السلام قال: " إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول: لست / بصاحب ذلك. ثم بموسى فيقول: كذلك. ثم بمحمد فيمشي بين الخلق حتى يأخذ بحلقة الجنة فيومئذ

صفحة رقم 4271

الهداية الى بلوغ النهاية

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي

الناشر مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
سنة النشر 1429
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية