ﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

خالدين فيها لا يَبْغُون عنها حِوَلاً أي : لا يطلبون تحولاً عنها ؛ إذ لا يتصور أن يكون شيء أعز عندهم، وأرفع منها، حتى تنزع إليه أنفسهم، أو تطمح نحوه أبصارهم. ونعيمهم مجدد بتجدد أنفاسهم، لا نفادَ له ولا نهاية ؛ لأنه مكون بكلمة " كن "، وهي لا تتناهى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إن الذين آمنوا إيمان الخصوص، وعملوا عمل الخصوص - وهو العمل الذي يقرب إلى الحضرة - كانت لهم جنة المعارف نُزلاً، خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً ؛ لأنَّ من تمكن من المعرفة لا يُعزل عنها، بفضل الله وكرمه، كما قال القائل :

مُذْ تَجَمَّعْتْ مَا خَشيتُ افْتِراقًا فأَنّا اليَوْمَ وَاصلٌ مَجْمُوعُ
ثم يترقون في معاريج التوحيد، وأسرار التفريد، أبدًا سرمدًا، لا نهاية ؛ لأن ترقيتهم بكلمة القدرة الأزلية، وهي كلمة التكوين، التي لا تنفد ؛ قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي... الآية. هذا مع كون وصف البشرية لا يزول عنهم، فلا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية. قل : إنما أنا بشر مثلكم يُوحى إليّ وحي إلهام، ويلقى في رُوعي أنما إلهكم إله واحد، لا ثاني له في ذاته ولا في أفعاله، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا لقاء الشهود والعيان، ولقاء الوصول إلى صريح العرفان ؛ فليعمل عملاً صالحًا، الذي لا حظ فيه للنفس ؛ عاجلاً ولا آجلاً، ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا، فلا يقصد بعبادته إلا تعظيم الربوبية، والقيام بوظائف العبودية، والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير