ﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲ

و إذ قاموا : ظرف لربطنا، وشططًا : صفة لمحذوف، أي : قولاً شططًا، أي : ذا شطط، وُصِف به ؛ للمبالغة.
وربطنا على قلوبهم أي : قويناهم، حتى اقتحموا مضايق الصبر على هجر الأهل والأوطان، والنعيم والإخوان، واجترأوا على الصدع بالحق من غير خوف ولا حذر، والرد على دقيانوس الجبار ؛ إِذْ قاموا أي : انتصبوا لإظهار شعار الدين، قال مجاهد : خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعاد. فقال أكبرهم : إني لأجد في نفسي شيئًا، إن ربي هو رب السماوات والأرض، فقالوا : نحن أيضًا كذلك، فقاموا جميعًا فقالوا ربُنا ربُّ السماواتِ والأرضِ ، وعزموا على التصميم بذلك. وقيل : قاموا بين يدي الجبار من غير مبالاة به، حين عاتبهم على ترك عبادة الأصنام، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى : هؤلاء. . . الخ : منقطعًا صادرًا عنهم، بعد خروجهم من عنده.
ثم قالوا : لن ندعوَ من دونه إِلهًا ، لا استقلالاً ولا اشتراكًا، ولم يقولوا : ربًا ؛ للتصميم على الرد على المخالفين، حيث كانوا يُسمون أصنامهم آلهة، وللإشعار بأن مدار العبودية على وصف الألوهية. لقد قُلنا إِذًا شَطَطًا : قولاً ذا شطط، وهو الجور والتعدي، أي : لقد جُرنا وأفرطنا في الكفر، وقلنا قولاً خارجًا عن حد المعقول، إنْ دعونا إلهًا غير الله جَزْمًا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد وصف الله - تعالى - أهلَ الكهف بخمسة أوصاف هي من شعار الصوفية ؛ الإيمان، الذي هو الأساس، وزيادة الاهتداء بتربية الإيقان إلى الوصول إلى صريح العرفان، وربط القلب في حضرة الرب، والقيام في إظهار الحق أو لداعي الوجد، والصدع بالحق من غير مبالاة بأحد من الخلق.
وقال الورتجبي في قوله تعالى : وزدناهم هُدىً : أي : زدناهم نورًا من جمالي، فاهتدوا به طرق معارف ذاتي وصفاتي، وذلك النور لهم على مزيد الوضوح إلى الأبد ؛ لأن نوري لا نهاية له. وقال عند قوله : إِذ قاموا : قد استدل بهذه الآية بعضُ المشايخ على حركة الواجدين في وقت السماع والذكر ؛ لأن القلوب إذا كانت مربوطة بالملكوت ومحل القدس حرَّكها أنواعُ الأذكار وما يَرِد عليها من فنون السماع. والأصل قوله : وربطنا على قلوبهم إِذ قاموا ، نعم هذا المعنى إذا كان القيام قيامًا بالصورة، أي : الحسية في القيام الحسي، وإذا كان القيام من جهة الحفظ والرعاية، والربط من جهة النقل من محل التلوين إلى محل التمكين، فالاستدلال بها في السكون في الوجد أحسن، إذا كان الربط بمعنى التسكين والقيام بمعنى الاستقامة. هـ.
قلت : الحاصل : أنا إذا حملنا القيام على الحسي ففيه دليل لأهل البداية على القيام في الذكر والسماع. وإذا حملناه على القيام المعنوي، وهو النهوض في الشيء، أو الاستقامة عليه كان فيه دلالة لأهل النهاية على السكون وعدم التحرك، وكأنه يشير إلى قضية الجنيد في بدايته ونهايته. والله تعالى أعلم.
وقال ابن لب : قد اشتهر الخلاف بين العلماء في القيام لذكر الله - تعالى - وقد أباحته الصوفية، وفعلته ودامت عليه، واستفادوه من كتاب الله تعالى من قوله - عزّ وجلّ - في أصحاب الكهف : إِذ قاموا فقالوا ربُّنا ربُّ السماوات والأرض ، وإن كانت الآية لها محامل أخرى سوى هذا. هـ. قلت : وقوله تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً [ آل عمران : ١٩١ ] : صريح في الجواز.
وقال في القوت : وقد روينا أنه صلى الله عليه وسلم مرَّ برجل يظهر التأوه والوجد، فقال مَنْ كان معه : أتراه يا رسولَ الله مُرائيًا ؟ فقال :" لا، بل أوّاه منيب " (١)، وقال لآخر : أظهر صوته بالآية :" أسْمِع الله عزَّ وجّل ولا تُسَمِّع "، فأنكر عليه بما شهد فيه، ولم ينكر على أبي موسى قوله :( لو علمتُ أنك تَسمع لحبَّرته لك تحبيرًا ) ؛ لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به، ولذا كل من كان له حسن قصد، ونية خير، في إظهار عمل، فليس من السمعة والرياء في شيء ؛ لتجرده من الآفة الدنيوية، وهي الطمع والمدح. هـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير