ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ)، أي اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم، بل إن اعتزالكم عبادتهم هو السبب الجوهري، والباعث على اعتزالهم فإيمانكم قدمتموه على القرابة والقومية، وقوله: (إِلَّا اللَّهَ)، قال الزمخشري: استثناء متصل؛ لأنهم كانوا يعبدون اللَّه وغيره، فالاعتزال كان لعبادتهم غير اللَّه، ويحتمل عنده أن يكون الاستثناء منقطعا، وعندي أن خيرا من هذا ما قاله قتادة أن (إِلَّا) بمعنى (غير)، من غير تقحم في المتصل أو المنقطع، ومن غير ادعاء لا دليل عليه، وهو أنهم كانوا يعبدون مع اللَّه غيره، فإن ذلك يحتاج إلى سند تاريخي، كما هو ثابت عند العرب.
وقوله تعالى: (يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِن رَّحْمَتِهِ)، مجزوم بجواب الأمر، أي إن تأووا إلى الكهف فلا تخافوا جوعا ولا عطشا ولا عريا، فإن اللَّه واسع الرحمة، يبسط لكم من رحمته وينشرها عليكم، وشبه في هذه الرحمة السالفة بالثوب المبسوط، التي ينشر عليكم فيعمكم ويحفظكم ويستركم، ويقول تعالى: (لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ)، أي ينشره لأجلكم وهو من رحمته التي وسعت كل شيء.

صفحة رقم 4503

(وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا)، أي مكانا ترتفقون، وتجدون فيه كل مرافقكم وحاجاتكم، ويكون مطمئنا لكم، ذلك ما جاشت به نفوسهم، وقد كان لهم ما تصوروا وتمنوا، فقد استراحوا من ملاحاة أقوامهم وطغيان حكامهم، وكفل لهم نوما هادئا اطمأنوا واستغنوا عن حاجات الدنيا وأهلها، وكان خير اللَّه يمد به أولياءه ولا يضيعهم أبدا.
* * *
عناية الله بهم في رقودهم
قال اللَّه تعالى:
(وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)
* * *

صفحة رقم 4504

إن اللَّه الذي ألهمهم أن يأووا إلى الكهف فرارا بدينهم، وخضوعا لأمره ألهمهم أيضا أن ينزلوا في كهف يحفظ أبدانهم من أن تمزق جلودهم الشمس أو تغير ألوانهم، ألهمهم أن ينزلوا وفتحته إلى الشمال فيجيء إليهم هواء الشمال العليل، وينعش أجسامهم ويرطب أنفاسهم، ولا تمسهم الشمس ولكن تدفئ الكهف من ورائه بمرورها من الشرق إلى الجنوب، حتى تعود إلى الغرب، وقد اجتازت ما وراء الكهف، وإن الشمس تصيبهم بأشعتها الحمراء في الصباح في طرف من الكهف، وتصيبهم بأشعتها الصفراء في طرف من الكهف أيضا في الغروب، وخير الأشعة المنعشة للأجسام الحية تكون في حمرتها في الصباح، واصفرارها في الغروب، وهكذا هو قوله تعالى:

صفحة رقم 4505

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية