المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه قصص أهل الكهف ودل اشتمال القرآن عليه على أنه وحي من علام الغيوب – أمره جل شأنه بالمواظبة على درسه وتلاوته، وألا يكترث بقول القائلين له : ائت بقرآن غير هذا أو بدله، ثم ذكر ما يلحق الكافرين من النكال والوبال يوم القيامة، وما ينال المتقين من النعيم المقيم كفاء ما عملوا من صالح الأعمال.
المفردات : فرطا : أي تفريطا وتضييعا لما يجب عليه أن يتّبعه من أمر الدين. وأعتدنا : أي أعددنا وهيأنا. والسرادق : لفظ فارسي معرّب يزاد به الفسطاط ( الخيمة ) شبه به ما يحيط بهم من لهب النار المنتشر منها في سائر الجهات. المهل : درديّ الزيت أو ما أذيب من المعادن كالرصاص والنحاس. يشوي الوجوه : أي ينضجها إذا قدّم ليشرب، لشدة حره. ومرتفقا : أي متكأ، يقال بات فلان مرتفقا أي متكأ على مرفق يده.
الإيضاح : وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر أي قل أيها الرسول لأولئك الذين أغفلنا قلوبهم عن الذكر، واتبعوا أهواءهم : هذا الذي أوحى إليّ هو الحق من عند ربكم، وهو الذي يجب عليكم اتباعه والعمل به، فمن شاء أن يؤمن به ويدخل في غمار المؤمنين، ولا يتعلل بما لا يصلح أن يكون معذرة له فليفعل، ومن شاء أن يكفر به، وينبذه وراء ظهره فأمره إلى الله، ولست بطارد لأجل أهوائكم من كان للحق متّبعا، وبالله وبما أنزل عليّ مؤمنا.
وخلاصة ذلك : إنني في غنى عن متابعتكم، وإنني لا أبالي بكم ولا بإيمانكم، وأمر ذلك إليكم، وبيد الله التوفيق والخذلان، والهوى والضال، وهو لا ينتفع بإيمان المؤمنين، ولا يضره كفر الكافرين كما قال : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها [ الإسراء : ٧ ].
ولما هدد السامعين بأن يختاروا لأنفسكم ما يجدونه غدا عند الله – أتبعه بذكر الوعيد على الكفر والمعاصي، والوعد على الأعمال الصالحة، وبدأ بالأول فقال :
إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها أي إنا قد أعددنا لمن ظلم نفسه وأنف من قبول الحق، ولم يؤمن بما جاء به الرسول – نارا يحيط بهم لهيبها المستعر من كل جانب كما يحيط السرادق بمن حلّ فيه، فلا مخلص منه، ولا ملجأ إلى غيره.
وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه أي وإن يستغث هؤلاء الظالمون يوم القيامة وهم في النار، فيطلبوا الماء لشدة ما هم فيه من العطش لحر جهنم كما قال في سورة الأعراف حكاية عنهم : أفيضوا علينا من الماء مما رزقكم الله [ الأعراف : ٥٠ ] يؤت لهم بماء غليظ كدرديّ الزيت، وإذا قرب إليهم للشرب سقطت جلود وجوههم ونضجت من شدة حره.
روى أحمد والترمذي والبيهقي والحاكم عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" المهل : كعكر الزيت، فإذا قرّب إليه سقطت فروة وجهه "، وعن ابن عباس قال ؛ أسود كعكر الزيت.
بئس الشراب وساءت مرتفقا أي ما أقبح هذا الشراب الذي هو كالمهل، فهو لا يطفئ غُلَّة، ولا يسكن حرارة الفؤاد، بل يزيد فيها إلى أقصى غاية، وما أسوأ هذه النار منزلا ومرتفقا، وجاء في الآية الأخرى : إنها ساءت مستقرا ومقاما [ الفرقان : ٦٦ ].
تفسير المراغي
المراغي