ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

قوله تعالى : وقل الحق من ربكم.. " ٢٩ " ( سورة الكهف ) : أي : قل الحق جاء من ربكم، واختار كلمة الرب ولم يقل من الله، لأن الكل معتقد أن الرب هو الذي خلق، كما في قوله تعالى : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون " ٨٧ " ( سورة الزخرف ).
وقوله : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله.. " ٢٥ " ( سورة لقمان ).
فمعنى : من ربكم.. " ٢٩ " ( سورة الكهف ) : أي : بإقراركم أنتم، فالذي خلقكم ورباكم وتعهدكم هو الذي نزل لكم هذا الحق و : ربكم.. " ٢٩ " ؟( سورة الكهف ) : أي : ليس ربي وحدي، بل ربكم ورب الناس جميعاً.
والحق : هو الشيء الثابت، ومادام من الله فلن يغيره أحد ؛ لأن الذي يتغير كلامه هو الذي يقضي شيئاً ويجهل شيئاً مقبلاً، وبعد ذلك يعدل، فالحق من الله لأنه سبحانه لا يخفي عليه شيء ولا يعزب عن عمله شيء، لذلك لا استدراك على حكم من أحكامه من أحد من خلقه.
فالربوبية عطاء، فربك الذي خلقك وأمدك بالنعم، وهو الذي يربيك كما يربي الوالد ولده ؛ لذلك لم يعترض على الربوبية أحد، أما الألوهية فمطلوبها تكليف : افعل كذا، ولا تفعل كذا، فخاطبهم بالربوبية التي فيها مصلحتهم، ولم يخاطبهم بالألوهية التي تقيد اختياراتهم والإنسان بطبعه لا يميل إلى ما يقيد اختياراته ؛ لذلك يلجأون إلى عبادة آلهة أخرى ؛ لأنها ليس لها مطلوبات.
فالذي يعبد الشمس أو الصنم أو غيره : بماذا أمرك معبودك ؟ وعما نهاك ؟ فما العبادة إلا طاعة عابد لمعبود، إذن : فلهم أن يقولوا : نعم هذا الإله، ونعم هذا الدين ؛ لأنه يتركني بحريتي افعل ما أريد.
لذلك ؛ نجد الذين يدعون ألوهية، أو يدعون نبوة دائماً يميلون إلى تخفيف المناهج ؛ لأنهم يعلمون أن المناهج السماوية تصعب على الناس ؛ لأن فيها حجراً على حرية حركتهم وحرية اختياراتهم، فلما ادعى مسيلمة النبوة رأى الناس تتبرم من الزكاة فأسقطها عنهم، وكذلك لما ادعت سجاح النبوة خفف الصلاة، وإلا، فكيف سيجمعون الناس من حولهم ؟
وما أشبه مدعي الأمس بمدعي اليوم الذين يبيعون الدين بعرض من الدنيا، فيفتون الناس بتحليل ما حرم الله، مثل الاختلاط وغيره من القضايا حتى هان أمر الدين على الناس. والدين وإن كان فطرياً في النفس الإنسانية إلا أن الإنسان يميل إلى من يخفف عنه، وتعجب حين ترى بعض المثقفين وحملة الشهادات يذهبون إلى الدجالين ويصدقونهم، وترى الواحد منهم يكذب نفسه أنه على دين يريحه، ويفعل في ظله ما يريد.
إذن : مادمتم مؤمنين بربوبية خلق وربوبية إمداد وإنعام، فعليكم أن تؤمنوا بما جاء من ربكم، كما نقول في المثل :( اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي )، ومع ذلك ورغم فضل الله ونعمه عليهم قل لهم : لا جبر في الإيمان : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. " ٢٩ " ( سورة الكهف ) : لأن منفعة الإيمان عائدة عليكم أنتم.
وقد جاء في الحديث القدسي : " إنكم لن تملكوا نفعي فتنعوني، ولن تملكوا ضري فتضروني، ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ".
" ولو أن أولكم وآخركم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كل مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كمغرز إبرة إذا غمسها أحدكم في بحر، وذلك أني جواد واجد ماجد، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقوله له كن فيكون ".
إذن : فائدة الإيمان تعود على المؤمن، كما قال تعالى : من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها.. " ٤٦ " ( سورة فصلت ) : لكني أحب لخلقي أن يكونوا دائماً على خير مني، فأنا أعطيهم خير الدنيا، وأحب أيضاً أن أعطيهم خير الآخرة.
جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه.. " ٢٨ " ( سورة الكهف ).
وكان خصوم الإسلام حينما يرون الدعوة تنتشر شيئاً فشيئاً يحاولون إيقافها، لا من جهتهم بالعدوان على من يؤمن، ولكن من جهته صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا إليه وفداً، قالوا : يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر فيك، لقد أدخلت على قومك ما لم يدخله أحد قبلك، شتمت آلهتنا وسفهت أحلامنا وسببت ديننا، فإن كنت تريد مالاً جمعنا لك المال حتى تصير أغنانا، وإن كنت تريد جاهاً سودناك علينا، وجعلناك رئيسنا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك>. فقال صلى الله عليه وسلم : " والله ما بي ما تقولون، ولكن ربي أرسلني بالحق إليكم، فإن أنتم أطعتم فبها، وإلا فإن الله ناصري عليكم " >.
>وكانت هذه المحاولة بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم لعل الأمر حين يكون سراً يتساهل فيه رسول الله، فلما لم يجدوا بغيتهم قالوا : نتوسل إليك بمن تحب، فربما خجل أن يقبل منا ونحن خصومه، فلنرسل إليه من يحبه، فذهبوا إلى عمه أبي طالب، فلما كلمه عمه قال قولته المشهورة : " والله، يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه.
فلما فشلت هذه المحاولة أيضاً أتوه من ناحية ثالثة، فقالوا : ننتهي إلى أمر هو وسط بيننا وبينك : دعك من هؤلاء الفقراء، واصرف وجهك عنهم، ولا تربط نفسك بهم، ووجه وجهك إلينا، فأنزل الله :
واصبر نفسك.. " ٢٨ " ( سورة الكهف ).
ثم بين الحق سبحانه وتعالى أن الإسلام أو الدين الذي أنزله الله لا يأخذ أحكامه من القوم الذين أنزل عليهم ؛ لأن رسول الله إنما أرسل ليضع لهم موازين الحق، ويدعو قومه إليها، فكيف يضعون هم هذه الموازين، فيأمرون رسول الله بأن يصرف وجهه عن الفقراء ويتوجه إليهم ؟
لذلك قال : وقل الحق من ربكم.. " ٢٩ " ( سورة الكهف ) : لأنه بعثني بالحق رسولاً إليكم، وما جئت إلا لهدايتكم، فإن كنتم تريدون توجيهي حسب أهوائكم فقد انقلبت المسألة، ودعوتكم لي أن أنصرف عن هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي وأتوجه إليكم، فهذا دليل على عدم صدق إيمانكم، وأنكم لستم جادين في اتباعي ؛ لذلك فلا حاجة بي إليكم.
ثم يقول تعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. " ٢٩ " ( سورة الكهف ) : أي : ادخلوا على هذا الأساس : أن كل حق ينزل من الله، لا أن آخذ الحق منكم، ثم أرده إليكم، بل الحق الذي أرسلني الله به إليكم، وعلى هذا من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
والأمر في هذه الآية سبق أن أوضحناه فقلنا : إذا وجدنا أمراً بغير مطلوب فلنفهم أن الأمر استعمل في غير موضعه، كما يقول الوالد لولده المهمل : العب كما تريد، فهو لا يقصد أمر ولده باللعب بالطبع، بل يريد تهديده وتأنيبه. وهكذا في : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. " ٢٩ " ( سورة الكهف ).
وإلا لو أخذت الآية على إطلاقها لكان من آمن مطيعاً للأمر : والعاصي أيضاً : فمن شاء فليؤمن.. " ٢٩ " ( سورة الكهف ) : مطيع للأمر : ومن شاء فليكفر.. " ٢٩ " ( سورة الكهف ) :
فكلاهما إذن مطيع، فكيف تعذب واحداً دون الآخر ؟
فالأمر هنا ليس على حقيقته، وإنما هو للتسوية والتهديد، أي : سواء عليكم آمنتم أم لم تؤمنوا، فأنتم أحرار في هذه المسألة ؛ لأن الإيمان حصيلته عائدة إليكم، فالله سبحانه غني عنكم وعن إيمانكم، وكذلك خلق الله الذين آمنوا بمحمد هم أيضاً أغنياء عنكم، فاستغناء الله عنكم مسحوب على استغناء الرسول، وسوف ينتصر محمد وينتشر دين الله دونكم.
وقد أراد الحق سبحانه أن يصيح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة في مكة ويجهر بها في أذن صناديد الكفر وعتاة الجزيرة العربية الذين لا يخرج أحد عن رأيهم وأمرهم ؛ لأن لهم مكانة وسيادة بين قبائل العرب.
ولحكمة أرادها الحق سبحانه لم يأت نصر الإسلام على يد هؤلاء، ولو جاء النصر على أيديهم لقيل : إنهم ألفوا النصر وألفوا السيادة على العرب، وقد تعصبوا لواحد منهم ليسودوا به الدنيا كلها، فالعصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد خلق العصبية لمحمد.
ثم يقول الحق سبحانه : إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها.. " ٢٩ " ( سورةالكهف ) : والعذاب هنا لمن اختار الكفر، لكن لماذا تهول الآية وتفخم أمر العذاب ؟ لأن الإعلام بالعقاب وتهويله وتفظيعه الإنذار به لا ليقع الناس في موجبات العقاب، بل لينتهوا عن الجريمة، وينأوا عن أسبابها، إذن : فتفظيع العقاب وتهويله رحمة من الله بالعباد ؛ لأن خوف العذاب سيمنعهم من الجريمة.
ومعنى ( أعتدنا )أي : أعددنا، فالمسألة منتهية مسبقاً، فالجنة والنار مخلوقة فعلاً ومعدة ومجهزة، لا أنها ستعد في المستقبل، وقد أعدت إعداد قادر حكيم، فأعد الله الجنة لتتسع لكل الخلق إن آمنوا، وأعد النار لتتسع لكل الخلق إن كفروا، فإن آمن بعض الخلق وكفر البعض، فالذي آمن وفر مكانه في النار، والذي كفر وفر مكانه في الجنة.
لذلك قال تعالى في هذه المسألة : وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون " ٧٢ " ( سورةالزخرف )
إذن : فخلق الله تعالى للجنة وللنار أمر منضبط تماماً، ولن يحدث فيهما أزمة أو زحام أبداً، بل لكل مكانه المخصص. وقوله تعالى : للظالمين.. " ٢٩ " ( سورة الكهف ).
والظلم أن تأخذ حقاً وتعطيه للغير، وللظلم أشكال كثيرة، أفظعها وأعظمها الإشراك بالله، لأنك تأخذ حق الله في العبادة وتعطيه لغيره، وهذا قمة الظلم، ثم لأنك الظلم فيما دون ذلك، فيأخذ كل ظالم من العذاب على قدر ظلمه، إلا أن يكون مشركاً. فهذا عذابه دائم ومستمر لا ينقطع ولا يفتر عنه، فإن ظلم المؤمن ظلماً دون الشرك فإنه يعذب به، ثم يدخله الله الجنة، إن لم يتب، وإن لم يغفر الله له.
وقوله تعالى : أحاط بهم سرادقها.. " ٢٩ " ( سورة الكهف ) : السرادق، كما نقول الآن : أقاموا السرادق أي : الخيمة. و معنى سرادق : أي محيط بهم، فكأن الله تعالى ضرب سرادقاً على النار يحيط بهم ويحجزهم، بحيث لا تمتد أعينهم إلى مكان خال من النار ؛ لأن رؤيته لمكان خال من النار قد توحي إليه بالأمل في الخروج، فالحق سبحانه يريد أن يؤيسهم من الخروج. ثم يقول تعالى : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً " ٢٩ " ( سورة الكهف ) :
الاستغاثة : صرخة ألم من متألم لمن يدفع عنه ذلك الألم، كما قال في آية أخرى : ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي.. " ٢٢ " ( سورة الكهف ) : أي : حين تصرخون من العذاب لا أستطيع أن أزيل صراخكم، وأنتم كذلك لا تزيلون صراخي.
فأهل النار حين يستغيثون من ألم العذاب ( يغاثوا )يتبادر إلى الذهن أنهم يغاثون بشيء من رحمة الله، فتأتيهم نفحة من الرحمة أو يخفف عنهم العذاب.. لا.
يغاثوا بماء كالمهل.. " ٢٩ " ( سورة الكهف ) : أي : فإن طلبوا الغوث بماء بارد يخفف عنهم ألم النار، فإذا بهم بماء كالمهل.
والمهل هو عكارة الزيت المغلي الذي يسمونه الدردي، أو هو المذاب من المعادن كالرصاص ونحوه، وهذا يحتاج إلى حرارة أعلى من غلي الماء، وهكذا يزدادون حرارة فوق حرارة النار، ويعذبون من حيث ينتظرون الرحمة.
وقوله تعالى هنا :( يغاثوا )أسلوب تهكمي ؛ لأن القاعدة في الأساليب اللغوية أن تخ

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير