وَقُلْ لأولئك الغافلين المتبعين هواهم الحق مِن رَّبّكُمْ أي ما أوحيَ إليَّ الحقُّ لا غيرُ كائناً من ربكم أو الحقُّ المعهودُ من جهة ربكم لا من جهتي حتى يُتصور فيه التبديلُ أو يُمكنَ الترددُ في اتباعه وقوله تعالى فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إما من تمام القولِ المأمورِ بهِ والفاءُ لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها بطريق التهديد لا لتفريعه عليهِ كما في قولِهِ تعالى هذا عَطَاؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وقوله تعالى الحق مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين أي عَقيبَ تحقق أن ما أوحي إليَّ حقٌّ لا ريب فيه وأن ذلك الحقَّ من جهة ربكم فمن شاء أن يؤمن به فليؤمن كسائر المؤمنين ولا يتعللَ بما لا يكاد يصلُح للتعليل ومن شاء أن يكفر به فليفعلْ وفيه من التهديد وإظهارِ الاستغناءِ عن متابعتهم وعدمِ المبالاةِ بهم وبإيمانهم وجودا وعدما مالا يخفى وإما تهديدٌ من جهة الله تعالى والفاءُ لترتيب ما بعدها من التهديد على الأمر لا على مضمون
صفحة رقم 219
الكهف ٣٠ ٣١ المأمورِ به والمعنى قل لهم ذلك وبعد ذلك من شاء أن يؤمن به أو أن يصدِّقَك فيه فليؤمن ومن شاء أن يكفُر به أو يكذِّبَك فيه فليفعل فقوله تعالى إِنَّا أَعْتَدْنَا وعيدٌ شديدٌ وتأكيدٌ للتهديد وتعليلٌ لما يفيده من الزجر عن الكفر أو لما يُفهم من ظاهر التخييرِ من عدم المبالاةِ بكفرهم وقلةِ الاهتمامِ بزجرهم عنه فإن إعدادَ جزائِه من دواعي الإملاءِ والأمهالِ وعلى الوجه الأول هو تعليلٌ للأمر بما ذكر من التخيير التهديديِّ أي قل لهم ذلك إنا أعتدنا للظالمين أي هيأنا للكافرين بالحق بعد ما جاء من الله سبحانه والتعبيرُ عنهم بالظاليمن للتنبيه على أن مشيئةَ الكفر واختيارَه تجاوزٌ عن الحد ووضعٌ للشيء في غير موضعِه نَارًا عظيمةً عجيبة أَحَاطَ بِهِمْ أي يحيط بهم وإيثارُ صيغةِ الماضِي للدَلالة على التحققِ سرادقها أي فسطاطها شُبّه به ما يحيط بهم من النار وقيل السرادِقُ الحجرةُ التي تكون حول الفُسطاطِ وقيل سرادِقُها دُخانُها وقيل حائط من نار وَإِن يَسْتَغِيثُواْ من العطش يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل كالحديد المذاب وقيل كدُرْدِيِّ الزيت وهو على طريقة قوله فاعتُبوا بالصَّيْلم يَشْوِى الوجوه إذا قدم ليُشرَب انشوى الوجهُ لحرارته عنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم هو كعَكَر الزيت فإذا قُرب إليه سقطت فروةُ وجهه بِئْسَ الشراب ذلك وَسَاءتْ النار مُرْتَفَقًا متكأً وأصل الاتفاق نصبُ المِرْفقِ تحت الخد وأنى ذلك في النار وإنما هو بمقابلة قوله تعالى وحسنت مرتفقا
صفحة رقم 220إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي