بالعشي. وقيل: هم الذين يقرءون القرآن.
ثو قال: تعالى: تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا.
فمعنى تريد زينة الحياة الدنيا أي تريد مجالسة الأشراف ذوي الأموال، وهم كفار، وتترك مجالس المؤمنين الفقراء. وروي أنهم كانوا لا يلبسون الأثياب الصوف من الفقر.
وقال: مجاهد: وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً أي ضياعاً. وقيل معناه: ندامة. وقيل هلاكاً. وقال: ابن زيد معناه: مخالفة للحق. وهو من قولهم أفرط فلان في كذا، إذا أسرف فيه وجاوز قدره فيكون معناه وكان أمره سرفاً في كفره وافتخاره وتكبره.
قوله: وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ.
المعنى: أن الله جل ذكره أمر نبيّه عليه السلام أن يقول لمن تقدم ذكره في قوله
وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتبع هَوَاهُ [الكهف: ٢٨] الحق من ربكم أي الهدى والتوفيق والخذلان من عند الله يهدي من يشاء فيوفقه فيؤمن، ويضل من يشاء فيخذله فيكفر، وليس إلي من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من وفقه الله [ تعالى] فآمن، فإن شئتم فاكفروا وإن شئتم فآمنوا. فإن كفرتم فقد أعد لكم [ربكم] ناراً أحاط [بهم] سرادقها.
وقوله فَلْيُؤْمِن و فَلْيَكْفُرْ لفظه لفظ الأمر ومعناه التهدد والوعيد. ومثله
تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ [هود: ٦٥] وقوله: وَلِيَتَمَتَّعُواْ [العنكبوت: ٦٦] وشبهه كثير.
والأمر من الله [ تعالى] على أقسام: فمنه ما معناه الإيجاب والإلزام نحو
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا [المائدة: ٦] الآية، وشبهه. فهذا لا بد من فعله ويأثم من تركه، ويكفر إن عاند في تركه.
ومنه ما معناه التأديب والإرشاد نحو قوله: وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ [النور: ٣٢] وقوله: وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] وفيه اختلاف. فهذا لا
يخرج المأمور بتركه إلى إثم. وإن تأدب به وعمله فقد أحسن، إذ قد اتبع ما ندبه الله [ تعالى] إليه.
ومنه ما معناه الاباحة [والاطلاق نحو قوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا [المائدة: ٢] وقوله:] فانتشروا فِي الأرض [الجمعة: ١٠] فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله [البقرة: ٢٢٢] فهذا إن شاء [فعله، وإن شاء] لم يفعله، ولا يشكر على فعله، ولا يندم على تركه.
ومنه / ما معناه الحتم والتكوين والإحداث نحو قوله: كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥] وقوله: كُنْ فَيَكُونُ [البقرة: ١١٧ - يس: ٨٢] فهذا تكوين وإحداث. ويوجد المأمور فيه مع الأمر ولا يتقدم ولا يتأخر.
وكل أوامر النبي [ ﷺ] على هذه الأقسام تأتي إلا التكوين والإحداث فليس
يكون إلا لله تعالى، غير أنه قد يكون ذلك على أيدي أنبيائه دلالة على صدقهم. كقول نبينا ﷺ لشجرة دعاها: " أقبلي " فأقبلت تجري عروقها وأغصانها حتى وقفت بين يديه، ثم قال: لها: " ارجعي " فرجعت إلى مكانها، وشبهه كثير. وهذه الأوامر إنما يميز الواجب منها [من غيره] بالبراهين والدلائل والتوقيف لا غير.
وقوله: أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.
قال: اين زيد: هو حائط من نار يحيط بهم كسرادق الفسطاط، وقاله ابن عباس. وقال: معمر: هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة وهو الذي قال: الله: [ تعالى] انطلقوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ [المرسلات: ٣٠].
وقيل هو البحر المحيط الذي في الدنيا، أي: أحاط بهم سرادق الدنيا أي: بحرها المحيط.
وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: " البحر جهنم وتلا هذه الآية. وقال: لا
أدخله أبداً وما دمت حياً، ولا تصيبني منه قطرة "
فيكون معناها أحاط بهم أي عمهم.
وروى [عنه] أبو سعيد الخدري أنه قال: " سرادق النار أربع جدر، كتف كل واحد منها مسيرة أربعين سنة ".
ثم قال: وَإِن يَسْتَغِيثُواْ.
أي إن يستغيثوا من العطش يغاثوا بماء كالمهل أي " كعكر الزيت. فإذا قربه من فمه سقطت فروة وجهه فيه " كذا رواه الخدري عن النبي عليه السلام.
وعن ابن مسعود: أن المهل هو كفضة وذهب أذيبا واختلطا. وقال: مجاهد:
" كالمهل " كالقيح والدم الأسود إذا اختلطا. وقال: ابن عباس: المهل ماء غليظ مثل دُرَدَيّ الزيت.
وقال: الضحاك: المهل ماء جهنم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود وأهلها سود. وقال: ابن جبير: المهل الذي قد انتهى حرة. وقيل: المهل عكر القطران.
وعن النبي عليه السلام أنه قال: " المهل صديد أهل جهنم إذا دني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه ولحم وجهه من حره ".
والمهل عند أهل اللغة: كل شيء أذبته من رصاص أو نحاس ونحوه.
ثم قال: يَشْوِي الوجوه.
وقال: ابن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقزم فيأكلون منها فاختلست جلودهم ووجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم. فيتضاعف عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل. فإذا أدنوه من أفواهه انشوى من حره لحوم / وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود.
وقوله: بِئْسَ الشراب.
أي بئس الشراب هذا الذي يغاث به هؤلاء القوم.
وقوله: وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً.
أي ساءت هذه النار التي أعدت لهؤلاء الظانين: مُرْتَفَقاً أي متكئاً. والمرتفق في كلام العرب المتكا. يقال: ارتفقت أي: اتكأت.. وقال: مجاهد " مرتفقاً " مجتمعاً " وهو مفتعل من الرفق.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي