قوله : وَيَوْمَ يَقُولُ : معمول ل " اذْكُرْ " أي : ويوم نقول، يجري كيت وكيت وقرأ١ حمزة " نقُول " بنون العظمة ؛ مراعاة للتكلُّم في قوله :" مَا أشْهدتهُمْ " إلى آخره، والباقون بياء الغيبة ؛ لتقدم اسمه الشريف العظيم الظاهر.
أي : يقول الله يوم القيامة : نَادُواْ شُرَكَآئِيَ يعني الأوثان.
وقيل : للجنِّ، ولم يذكر تعالى أنَّهم كيف دعوهم في هذه الآية الكريمة، بيَّن ذلك في آية أخرى، وهو أنَّهم قالوا : إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ [ إبراهيم : ٢١ ].
الذين زَعَمْتُمْ أنهم شركاء فَدَعَوْهُمْ فاستغاثوا بهم، فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ، أي : لم يجيبوهم، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم ضرراً، ثم قال : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً أي : مهلكاً. قاله عطاء والضحاك٢.
فصل في بيان الموبق
قال الزمخشري وغيره : والمَوْبِقُ : المهلك، يقال : وَبِقَ يَوبِقُ وَبَقاً، أي : هَلَكَ ووَبَقَ يَبِقُ وُبُوقاً أيضاً : هلك وأوبقه ذنبه، وعن الفراء٣ :" جعَل اللهُ تواصُلهمْ هَلاكاً " فجعل البين بمعنى الوصل، وليس بظرفٍ ؛ كقوله : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [ الأنعام : ٩٤ ] على قراءة من قرأ بالرفع، فعلى الأول يكون " موبقاً " مفعولاً أول للجعل، والثاني الظرف المتقدِّم، ويجوز أن تكون متعدية لواحدٍ، فيتعلق الظرف بالجعلِ أو بمحذوفٍ على الحال من " مَوْبِقاً ".
وعلى قول الفراء ليكون " بينهم " مفعولاً أول و " مَوبقاً " مفعولاً ثانياً، والمَوْبِقُ هنا : يجوز أن يكون مصدراً، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون مكاناً.
قال ابن عباس : وهو وادٍ في النَّار٤.
وقال ابن الأعرابيِّ : كل حاجزٍ بين الشيئين يكون المَوبِقَ.
وقال الحسن :" مَوْبقاً " أي : عداوة، هي في شدَّتها هلاك ؛ كقولهم : لا يكن حُبك كلفًا٥.
وقيل : الموبقُ : البَرْزَخُ البعيد٦.
وجعلنا بين هؤلاء الكفَّار وبين الملائكة وعيسى برزخاً بعيداً، يهلك فيه النصارى ؛ لفرط بعده ؛ لأنَّهم في قاع جهنَّم، وهو في أعلى الجنان.
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٣٩) عن ابن عباس وقتادة وابن زيد. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤١٤) عن ابن عباس وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم ومجاهد وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر..
٣ ينظر: معاني القرآن للفراء ٢/١٤٧..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٤٠) عن أنس بن مالك ومجاهد.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤١٤) عن أنس وزاد نسبته إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "البعث"..
٥ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢١/١١٩) عن الحسن..
٦ ينظر: المصدر السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود