ثم علّل وجه إدبارهم عن الإيمان، وهو اغترارهم بزهرة الدنيا، فقال : إِنا جعلنا ما على الأرض ؛ من الأشجار والأزهار والثمار، وما اشتملت عليه من المعادن، وأنواع الملابس والمطاعم، والمراكب والمناكح، زينةً لها أي : مبهجة لها، يستمتع بها الناظرون، وينتفعون بها مأكلاً وملبسًا، ونظرًا واعتبارًا، حتى إن الحيّات والعقارب ؛ من حيث تذكيرها بعذاب الآخرة، من قبيل المنافع، بل كل حادث داخل تحت الزينة من حيثُ دلالته على الصانع، وكذلك الأزواج والأولاد، بل هم من أعظم زينتها، داخلون تحت الابتلاء. جعلنا ذلك لنبلوهم : لنختبرهم، حتى يظهر ذلك للعيان، أيُّهم أحسنُ عملاً ، أيهم أزهد فيها، وأقبلهم على الله بالعمل الصالح ؛ إذ لا عمل أحسن من الزهد في الدنيا ؛ إذ هو سبب للتفرغ لأنواع العبادة، بدنية وقلبية.
قال أبو السعود : وحسن العمل : الزهد فيها، وعدم الاكتراث بها، والقناعة باليسير منها، وصرفها على ما ينبغي، والتأمل في شأنها، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها، والتمتع بها حسبما أذن الشرع، وأداء حقوقها، والشكر على نعمها، لا جعْلها وسيلة إلى الشهوات، والأغراض الفاسدة، كما يفعله الكفرة وأهل الأهواء. . . انظر بقية كلامه.
وقد يتوجه العتاب لهم على الحرص في بدايتهم ؛ تكميلاً لهم، وترقية إلى المقام الأكمل.
وقوله تعالى : إنا جعلنا ما على الأرض... الخ، هو حكمة تخلف الناس عن الخصوصية، حتى يتميز الطالب لها من المعرض عنها، فمن أقبل على زينة الدنيا وزهرتها، فاتته الخصوصية، وبقي من عوام الناس، ومن أعرض عنها وعن بهجتها، وتوجه بقلبه إلى الله، كان من المخصوصين بها، المقربين عند الله.
وهذا هو أحسن الأعمال التي اختبر الله به عباده بقوله : لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ، وفي الحديث :" الدنيا مال مَنْ لاَ مَالَ لَه، لَهَا يَجْمَعُ مَنْ لاَ عَقْلَ لَه. وعليها يُعَادِي مَنْ لاَ عِلْمَ عِنْدَه " (١) وفي الزهد والترغيب أحاديث كثيرة مفردة بالتأليف، وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي