قوله : فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا الآية.
قال ابن عباس : هي أنطاكية١.
وقال ابن سيرين٢ : هي [ الأبلة ]٣، وهي أبعد الأرض من السَّماء وقيل : بَرْقَة.
وعن أبي هريرة٤ : بلدة بالأندلس.
استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا قال أبي بن كعبٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم : حتَّى إذا أتيا أهل قريةٍ لئاماً، فطافَا في المجلسِ فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما٥.
وروي أنَّهما طافا في القرية، فاستطعماهم، فلم يطعموهما، فاستضافاهم، فلم يضيِّفوهما.
قال قتادة : شرُّ القرى التي لا تضيِّف الضَّيف٦.
وروي عن أبي هريرة :" أطعمتهما امرأةٌ من أهل بربر بعد أن طلبا من الرِّجال، فلم يطعموهما ؛ فدعوا لنسائهم، ولعنا رجالهم " ٧.
قوله : استطعمآ أَهْلَهَا : جواب " إذا " أي : سألاهم الطعام، وفي تكرير " أهلها " وجهان :
أحدهما : أنه توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ؛ كقوله :[ الخفيف ]
| لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ | نَغَّص المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا٨ |
| لَيْتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعُبُ دائماً | كَانَ الغُرابُ مُقطَّعَ الأوْدَاجِ٩ |
فإن قيل : الاستطعام ليس من عادة الكرام، فكيف أقدم عليه موسى، مع أنَّ موسى كان من عادته طلبُ الطعام من الله تعالى، كما حكى عنه قوله : إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ القصص : ٢٤ ].
فالجواب١٠ : أنَّ إقدام الجائع على الاستطعام أمرٌ مباحٌ في كلِّ الشرائع، بل ربَّما وجب عند خوف الضَّرر الشديد.
فإن قيل : إنَّ الضيافة من المندوبات، فتركها ترك المندوب، وذلك أمرٌ غير منكرِ، فكيف يجوز من موسى - عليه السلام - مع علوِّ منصبه أن يغضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه مع ذلك العالم في قوله : إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي .
وأيضاً مثل هذا الغضب لأجل ترك الأكل في ليلةٍ واحدةٍ، لا يليقُ بأدونِ الناس فضلاً عن كليم الله ؟.
فالجواب : أنَّ الضيافة قد تكون من الواجبات، بأن كان الضيف قد بلغ في الجوع إلى حيث لو لم يأكل، لهلك، وإذا كان كذلك، لم يكن الغضب الشديد لأجل ترك الأكل [ ليلة ]١١، بل كان لأجل تركهم الواجب عليهم.
فإن قيل : إنه ما بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك ؛ بدليل أنَّه قال : لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ، ولو كان بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك، لما قدر على ذلك العمل، فكيف يصحُّ منه طلب الأجرة ؟.
فالجواب : لعلَّ ذلك الجوع كان شديداً، إلاَّ أنه ما بلغ حدَّ الهلاك.
قوله :" أنْ يُضيِّفُوهمَا " مفعولٌ به لقوله " أبَوْا " والعامة على التشديد من ضيَّفه يضيِّفه. والحسن١٢ وأبو رجاء وأبو رزين بالتخفيف من : أضافه يضيفه وهما مثل : ميَّله وأماله.
رُوِيَ أنَّ أهل تلك القرية، لمَّا سمعوا نزول هذه الآية، استحيوا، وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمل من الذَّهب، وقالوا : يا رسول الله، نشتري بهذا الذَّهب أن تجعل الباء تاء ؛ حتى تصير القراءة " فأتوا أن يضيفوهما "، أي : أتوا [ لأجل أن ]١٣ يضيِّفوهما، أي كان إتيانهم لأجل الضِّيافة، وقالوا : غرضنا منه أن يندفع عنَّا هذا اللُّؤم، فامتنع النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال :" تغير هذه النُّقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله تعالى، وذلك يوجب القدح في الإلهيَّة١٤.
قوله : فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ أي : فرأيا في القرية حائطاً مائلاً.
وقوله :" أنْ ينْقَضَّ " مفعول للإرادة، و " انقضَّ " يحتمل أن يكون وزنه " انفعل " من انقضاضِ الطائر، أو من القضَّة، وهي الحصى الصِّغار، والمعنى : يريد أن يتفتَّت، كالحصى، ومنه طعام قَضَضٌ، إذا كان فيه حصى صغارٌ، وأن يكون وزنه " افْعَلَّ " ك " احمَرَّ " من النقض، يقال : نقض البناء ينقضه، إذا هدمه، ويؤيد هذا ما في حرف عبد الله وقراءة١٥ الأعمش " يُرِيدُ ليُنْقَضَ " مبنيًّا للمفعول ؛ واللام كهي في قوله يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً [ النساء : ٢٨ ]. وما قرأ به أبيٌّ " يُرِيدُ أن ينقض " بغير لامِ كيْ.
وقرأ الزهريُّ " أن ينقاضَ " بألف بعد القاف. قال الفارسي :" هو من قولهم قضته فانقاضَ " أي : هدمته، فانهدم. قال شهاب الدين : فعلى هذا يكون وزنه ينفعلُ، والأصل :" انْقيضَ " فأبدلت الياء ألفاً، ولمَّا نقل أبو البقاء١٦ هذه القراءة قال :" مثل : يَحمارُّ " ومقتضى هذا التشبيه : أن يكون وزنه " يفعالَّ " ونقل أبو البقاء : أنه قُرئ كذلك بتخفيف الضاد، قال :" هو من قولك : انقاضَ البناءُ، إذا تهدَّم ".
وقرأ عليٌّ أمير المؤمنين - كرَّم الله وجهه-، وعكرمة في آخرين " يَنقَاصُ " بالصاد مهملة، وهو من قاصه يقيصه، أي : كسره، قال ابن خالويه :" وتقول العرب : انقاصتِ السِّنُّ : إذا انشقَّت طولاً " وأنشد لذي الرّمّة :
| . . . . . . . . . . . . . . . . | . . . . . . . . . مُنقاصٌ ومُنْكثِبُ١٧ |
| فراقٌ كقَيْصِ السنِّ، فالصَّبْرَ إنَّه | لكلِّ أنَاسٍ عَثْرةٌ وجُبورُ١٨ |
وقد ورد في النَّثر والنَّظم، قال الشاعر :[ الوافر ]
| يُرِيدُ الرُّمح صَدرَ أبِي بَراءٍ | ويَرْغَبُ عنْ دِمَاءِ بنِي عَقيلٍ١٩ |
وكذا قوله : وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب [ الأعراف : ١٥٤ ] وقوله : أَتَيْنَا طَآئِعِينَ [ فصلت : ١١ ] ومن أنكر [ المجاز ]٢٠ مطلقاً أو في القرآن خاصة، تأوَّل ذلك على أنه خُلق للجدارِ حياةٌ وإرادةٌ ؛ كالحيوانات، أو أنَّ الإرادة صدرت من الخضرِ ؛ ليحصل له، ولموسى ما ذكره من العجب.
وهو تعسفٌ كبيرٌ، وقد أنحى الزمخشري على هذا القائل إنحاءً بليغاً جدًّا.
قوله :" فأقَامهُ " قيل :[ نقضه ]٢١، ثم بناه، قاله ابن عبَّاس٢٢.
وقيل : مسحه بيده، فقام، واستوى، وذلك من معجزاته، هكذا ورد في الحديث. وهو قول سعيد بن جبير.
واعلم أن ذلك العالم، لمَّا فعل ذلك، كانت الحالة حالة اضطرارٍ إلى الطعام، فلذلك نسيَ موسى قوله : إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي فلا جرم قال : لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ، أي : طلبت على إصلاحك الجدار جعلاً، أي لصرفه في تحصيل المطعوم ؛ فإنك قد علمت أنَّا جياعٌ، وأنَّ أهل القرية لم يطعمونا، فعند ذلك قال الخضر :" هذا فراقُ بَيْنِي وبيْنكَ ".
قوله : لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً قرأ ابن٢٣ كثير، وأبو عمرو " لتخِذْتَ " بفتح التاء، وكسر الخاء مِنْ تَخِذَ يتْخذُ ك " تَعِبَ يَتْعَبُ ". والباقون " لاتَّخذتَ " بهمزة الوصل، وتشديد التاءِ، وفتح الخاء من الاتِّخاذ، واختلف : هل هما من الأخذ، والتاء بدلٌ من الهمزة، ثم تخذف التاء الأولى فيقال : تَخِذَ، كتَقِيَ من " اتَّقَى " نحو قوله :[ الطويل ]
| . . . . . . . . . . . . . . . | تَقِ الله فِينَا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو٢٤ |
قوله : فِرَاقُ بَيْنِي : العامة على الإضافة ؛ اتِّساعاً في الظرف، وقيل : هو بمعنى الوصل. كقوله :[ الطويل ]
| . . . . . . . . . . . . . . . . . | وجِلْدَةُ بين العيْنِ والأنْفِ سَالِمُ٢٥ |
وقرأ ابن أبي٢٧ عبلة " فِراقٌ " بالتنوين على الأصل، وتكرير المضاف إليه عطفاً بالواو هو الذي سوَّغ إضافة " بين " إلى غير متعددٍ ؛ ألا ترى أنَّك لو اقتصرت على قولك :" المَالُ بيني " لم يكن كلاماً ؛ حتى تقول : بيننا أو بيني وبين فلانٍ.
وقوله :" هذا " أي : هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرِّق بيننا.
٢ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٧٥..
٣ في ب: الأيلة..
٤ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٧٥..
٥ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤٢٩) وعزاه إلى الديلمي..
٦ ينظر : البغوي (٣/١٧٥)..
٧ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٧٥)..
٨ تقدم..
٩ تقدم برقم ٥١٩..
١٠ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١٣٣..
١١ في ب: يوما..
١٢ ينظر: الإتحاف ٢/٢٢٢، والبحر ٦/١٤٣، والدر المصون ٤/٤٧٥..
١٣ في ب: لأن..
١٤ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢١/١٣٤)..
١٥ ينظر في قراءاتها: المحتسب ٢/٣١، والإتحاف ٢/٢٢٢، والشواذ ٨١، والبحر ٦/١٤٣، والدر المصون ٤/٤٧٦..
١٦ ينظر: الإملاء ٢/١٠٧..
١٧ جزء من عجز بيت هو:
يغشى الكناس بروقيه ويهدمه من هائل الرمل.............................................
ينظر: ديوانه ٢٩، البحر المحيط ٦/١٤٣، الدر المصون ٤/٤٧٦..
١٨ ينظر: ديوانه ١/١٣٨، واللسان (قيص)، والدر المصون ٤/٤٧٦..
١٩ ينظر: الرازي ٢١/١٣٤..
٢٠ في ب: الجواز..
٢١ في أ: هدمه..
٢٢ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٧٥..
٢٣ ينظر: السبعة ٣٩٦، والنشر ٢/٣١٤، والتيسير ١٣٥، والحجة ٤٢٥، وإعراب القراءات ١/٤٠٨، والحجة للقراء السبعة ١/١٦٣، والقرطبي ١١/٢٣، والبحر ٦/٤٤، والدر المصون ٤/٤٧٦..
٢٤ ينظر: روح المعاني ٦/١٧، الدر المصون ٤/٤٧٦..
٢٥ تقدم..
٢٦ ينظر : الفخر الرازي ٢١/١٣٤..
٢٧ ينظر : الكشاف ٢/٧٤٠، والبحر ٦/١٤٤، والدر المصون ٤/٤٧٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود