تمهيد :
أمور ثلاثة، تجعل موسى عليه السلام في الإنكار عليهما عند حدوثها، وكان الخضر قد أعطى شفافية خاصة، ومعرفة ببواطن الأمور وخفاياها، وهي معرفة لا يطلع عليها إلا من اختصه الله من عباده، بهذا العلم، فهو علم لدني، من لدن الله العلي القدير ؛ حيث قال سبحانه في شأن الخضر : آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما . ( الكهف : ٦٥ ).
وخلاصة هذه الأمور هي : تحمل الضرر الأصغر في سبيل دفع الضرر الأكبر ؛ فتحمل الخضر ضرر خرق السفينة في سبيل دفع اغتصابها، وقتل الغلام ؛ حتى لا يفسد على والديه إيمانهما، وبنى الجدار ؛ حتى يشب اليتيمان، ويستخرجا كنزهما من تحته ؛ رحمة من الله تعالى.
٧٧- فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا .
أي : مشيا حتى وصلا إلى قرية أهلها لؤماء، وهما جائعان، وأهل القرية لا يستضيفون ضيفا، ولا يكرمون غريبا، فطلبا طعاما فامتنعوا عن ضيافتهما، ووجد الخضر في هذه القرية جدارا مائلا يوشك أن يسقط ؛ وإذا الخضر عليه السلام، يشغل نفسه بإقامة الجدار، وإصلاحه وتقويته وتعديله ؛ حتى يصبح بحالة جيدة.
وهنا يحس موسى بالتناقض بين عمل أهل القرية وبخلهم الشديد، ورفضهم إطعام رجلين غريبين، بين الجهد الذب بذله الخضر في إصلاح الجدار لهم دون مقابل، وقال للخضر :
لو شئت لاتخذت عليه أجرا .
أنكر عليه موسى صنع المعروف في غير أهله، وقال موسى : لو أخذت منم أجرا على إصلاح الجدار ؛ تستطيع أن تستعين به في شراء الطعام.
روى : أن موسى قال للخضر : قوم استطعمناهم فلم يطعمونا، وضيفناهم فلم يضيفونا، ثم قعدت تبني لهم الجدار ؛ لو شئت لاتخذت عليه أجرا .
١- للقدر حكمة إلهية عليا، وأسباب خفية، لم نطلع عليها، من ذلك معرفة الخضر بأمور خفية وراء أفعاله الثلاثة، وهي رمز لما ينبغي للمؤمن أن يعمله إزاء أحداث هذه الحياة، علينا أن نحني رؤوسنا لكل ما يجيء به الله، وكما قال القائل :
سلّم الأمر تجدنا *** نحن أولى بك منك
٢- الإخلاص في طلب العلم والتواضع في سبيله، ومعرفة كل جديد، وعدم الحياء من التعلم ؛ فقد يتعلم الفاضل من المفضول، وقد شاهدت أساتذة في علوم متعددة : يجلسون تلامذة أمام معلم كمبيوتر أقل منهم درجة وعلما، وفي القرآن الكريم : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا . ( الإسراء : ٨٥ )، ويقول سبحانه : وقل ربّ زدني علما . ( طه : ١١٤ ).
٣- الرحلة في طلب العلم، ومعرفة الرجال الفضلاء، سمة من صفات العقلاء ؛ فموسى عليه السلام يرحل إلى الخضر، مصمما على بلوغ هدفه.
قال البخاري : ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله ابن أنيس في طلب حديث واحد.
٤- أنه يجوز دفع الضرر الأكبر بارتكاب الضرر الأصغر ؛ فإن خرق السفينة فيه ضرر ولكنه أقل من أخذ الملك لها غصبا، وإن قتل الغلام شر ولكنه أقل من الضرر الذي سيترتب على بقائه ؛ وهو إرهاقه لأبويه وحملهما على الكفر.
٥- إن صلاح الآباء ينفع الأبناء، بدليل قوله تعالى :{ وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما..... ( الكهف : ٨٢ ).
وقد ورد في القرآن والسنة : ما يفيد : أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشملهم من بركة عبادته ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة