ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

ثم ذكر الحق تعالى مدد الفريقين ؛ أهل الضلال وأهل الإيمان، فقال :
قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَانُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً * وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَواْ هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً
قلت : ويزيد : عطف على فليَمدُد ؛ لأنه في معنى الخبر، أي : من كان في الضلالة
يمده الله فيها، ويزيد في هداية الذين اهتدوا مددًا لهدايتهم، أو عطف على فسيعلمون ، وجمع الضمير في رَأَوا وما بعدها ؛ باعتبار معنى مَنْ ، وأفرد أولاً باعتبار لفظها.
يقول الحقّ جلّ جلاله : قُلْ يا محمد مَنْ كان مستقرًا في الضلالة مغمورًا في الجهل والغفلة عن عواقب الأمور، مشتغلاً بالحظوظ الفانية، فليَمْدُدْ له الرحمانُ مَدَّا أي : يمد له بطول العمر وتيسير الحظوظ، إما استدراجًا، كما نطق به قوله تعالى : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً [ آل عِمرَان : ١٧٨ ]، أو قطعًا للمعاذير كما نطق به قوله تعالى : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّر [ فاطر : ٣٧ ]، أو : فليمدد له : يدعه في ضلاله، ويمهله في كفره وطغيانه، كقوله تعالى : وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأنعام : ١١٠ ]. والتعرّض لعنوان الرحمانية ؛ لبيان أن أفعالهم من مقتضيات الرحمة مع استحقاقهم تعجيل الهلاك.
وكأنه جلّ جلاله لما بيَّن عاقبة الأمم المهلَكة، مع ما كان لهم من التمتع بفنون الحظوظ العاجلة، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب هؤلاء المفتخرين بما لَهُم من الحظوظ بمآل أمر الفريقين، وهو استدراج أهل الضلالة ثم أخذهم، وزيادة هداية أهل الإيمان ثم إكرامهم، كما بيَّن ذلك بقوله : حتى إِذا رَأوا ما يُوعدون ، فهو غاية للحد الممتد، أي : نمد لهم في الحياة وفنون الحظوظ حتى ينزل بهم ما يوعدون ؛ إِمَّا العذاب الدنيوي بالقتل، والأسر، وغلبة أهل الإيمان عليهم، وإِمَّا الساعةَ ، وهو يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والهوان، و " إما " هنا : لمنع الخُلو، لا لمنع الجمع ؛ فإن العذاب الأخروي لا ينفك عنهم بحال.
فسيعلمون حينئذ مَن هو شرٌّ مكانًا من الفريقين، بأن يشاهدوا الأمر على عكس ما كانوا يُقدّرون، فيعلمون أنهم شر مكانًا، لا خير مقامًا، و يعلمون أنهم أضعفُ جندًا أي : جماعة وأنصارًا، لا أحسن نَدِيًّا، كما كانوا يدعونه، وليس المراد أن لهم يوم القيامة جندًا سيَضعف، وما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، وإنما ذكر ذلك ردًّا لما كانوا يزعمون أن لهم أعوانًا وأنصارًا، يفتخرون في الأندية والمحافل، فردَّ ذلك بأنه باطل وظل آفل، ليس تحته طائل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : اعلم أن الحق - جلّ جلاله - يرزق العبد على قدر نيته، ويمده على قدر همته، فمن كانت همته في الحظوظ العاجلة والشهوات الفانية، أمده الله فيها، ومتعه بها ما شاء، على حسب القسمة، ثم أعقبه الندم والحسرة، ومن كانت همته الآخرة، أمده سبحانه في الأعمال التي تُوصله إلى نعيمها، كصلاة وصيام وصدقة وتدريس علم، وأذاقه من حلاوتها ما يُهون عليه مرارتها، ثم أعقبه النعيم الدائم من القصور والحور، وأنواع الطيبات، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
ومن كانت همته الله - أي : الوصول إلى حضرته دون شيء سواه - أمده الله في الأعمال التي توصله إليه، وهي أعمال القلوب ؛ من التخلية والتحلية، كالتخلية من الرزائل والتحلية بالفضائل، وكقطع المقامات بأنواع المجاهدات، ورأس ذلك أن يُوصله إلى شيخ كامل جامع بين الحقيقة والشريعة، بين الجذب والسلوك، قد سلك الطريق على شيخ كامل، فإذا وصله إليه وكشف له عن سر خصوصيته فليستبشر بحصول المطلب وبلوغ الأمل. وبالله التوفيق.



قلت : ويزيد : عطف على فليَمدُد ؛ لأنه في معنى الخبر، أي : من كان في الضلالة
يمده الله فيها، ويزيد في هداية الذين اهتدوا مددًا لهدايتهم، أو عطف على فسيعلمون ، وجمع الضمير في رَأَوا وما بعدها ؛ باعتبار معنى مَنْ ، وأفرد أولاً باعتبار لفظها.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير