فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمان مَدًّا : فليتمتع في الحياة ما شاء الرحمان له أن يتمتع.
الآيات استمرار للسياق كما هو المتبادر. والمتبادر كذلك أن الآية الأولى احتوت ردّا آخر على تبجح الكفار المحكي عنهم في الآيات السابقة وتحديا حيث أمرت النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم على سبيل التحدي : ليمدد الله تعالى من كان منا ومنكم في الضلالة وليجعله يتمتع بما شاء له أن يتمتع، وحينما يحل وقت تحقيق وعيد الله للضالين بالعذاب الدنيوي أو الأخروي سيرون من هو شرّ مكانا ومنزلة ومن هو أضعف جندا وناصرا. وقد تكرر هذا المعنى في آيات عديدة منها آيات سورة سبأ هذه قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاواتِ والْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ٢٤ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا ولَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٢٥ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وهُو الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ٢٦ . وواضح من روح الآية أنه انطوى في التحدي يقين بأن الكفار هم الضالون الذين سوف يكونون شرّا مكانا وأضعف جندا، وأن هذا هو ما أشعرهم به التحدي ؛ حيث ينطوي في ذلك تنديد وإنذار لاذعان. أما الآية الثانية فهي تعقيب على الأولى وتوكيد لما انطوى فيها. فالكفار هم الذين ارتكسوا في الضلالة، دون المؤمنين الذين يكونون موضع رحمة الله فيزدادون بإيمانهم بآيات الله المتجمدة وبأعمالهم الصالحة المتجمدة هدى على هدى.
وقد انطوت الفقرة الأخيرة منها على تحريض قوي على صالح الأعمال بأسلوب مطلق، كأنما تهتف بالناس جميعهم أن كل شيء إلى زوال إلا العمل الصالح، فهو الباقي كل البقاء النافع كل النفع. وفي هذا ما فيه من نداء وتلقين مستمري المدى.
تعليق على جملة
والْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ
ولقد روى المفسرون عن أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم أقوالا عديدة في مدى هذه الجملة ١ :
منها أنها في معنى الأعمال الصالحة وطاعة الله إطلاقا، ويدخل في ذلك الحج والصلاة والزكاة والجهاد الخ. ومنها أنها في معنى الصلوات المكتوبة وحسب. ومنها أنها ذكر الله وتسبيحه وحمده. ورووا في صدد القول الأخير أحاديث عديدة منها الوارد في كتب الصحاح ومنها غير الوارد. فمن غير الوارد في هذه الكتب حديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" استكثروا من الباقيات الصّالحات. قيل : وما هي يا رسول الله ؟ قال : التّكبير والتّهليل والتّسبيح والحمد ولا قوّة إلاّ بالله " ومنها حديث عن عبد الرحمان بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إنّ قول لا إله إلاّ الله والحمد لله وسبحان الله تحطّ الخطايا كما تحطّ ورق هذه الشّجرة الرّيح. خذهنّ يا أبا الدرداء قبل يحال بينك وبينهنّ. هنّ الباقيات الصّالحات، وهنّ من كنوز الجنّة " ٢ ومما ورد في كتب الصحاح حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي قال " أكثر من لا حول ولا قوّة إلاّ بالله فإنّها كنز من كنوز الجنّة " ٣ وننبه على أن الأحاديث الواردة في كتب الصحاح لا تذكر الصيغ التي وردت فيها أنها الباقيات الصالحات أو هي منها.
ومهما يكن من أمر فإن الأسلوب المطلق الذي جاءت به الجملة يسوّغ القول : إنها تعني كل عمل صالح مع القول إن تسبيح الله وحده وتكبيره من جملة ذلك.
ونقول من جهة أخرى إن المتبادر على ضوء الآيات والأحاديث أن الخطايا التي يمكن أن يكفرها التسبيح والتهليل وذكر الله هي التي تكون من نوع الهفوات واللمم دون الآثام والفواحش والكبائر والبغي. وهناك حديث رواه مسلم عن عثمان بن عفان قال " سمعت رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلاّ كانت كفّارة لما قبلها من الذّنوب ما لم يأت كبيرة ". حيث يصح أن يكون ذلك ضابطا والله أعلم.
ويتبادر لنا كذلك أن من الحكمة المنطوية في الأحاديث النبوية جعل المؤمنين يكثرون من ذكر الله تعالى لما يؤدي ذلك إليه من مراقبتهم الله ووقوفهم عند حدود أوامره ونواهيه، وابتغائهم الوسيلة إلى رضائه. وفي ذلك ما فيه من أسباب الخير والفوائد الجليلة، والله تعالى أعلم.
قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمان مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُو شَرٌّ مَّكَانًا وأَضْعَفُ جُندًا ٧٥ ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَّرَدًّا ٧٦ [ ٧٥ ـ ٧٦ ]
الآيات استمرار للسياق كما هو المتبادر. والمتبادر كذلك أن الآية الأولى احتوت ردّا آخر على تبجح الكفار المحكي عنهم في الآيات السابقة وتحديا حيث أمرت النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم على سبيل التحدي : ليمدد الله تعالى من كان منا ومنكم في الضلالة وليجعله يتمتع بما شاء له أن يتمتع، وحينما يحل وقت تحقيق وعيد الله للضالين بالعذاب الدنيوي أو الأخروي سيرون من هو شرّ مكانا ومنزلة ومن هو أضعف جندا وناصرا. وقد تكرر هذا المعنى في آيات عديدة منها آيات سورة سبأ هذه قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاواتِ والْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ٢٤ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا ولَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٢٥ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وهُو الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ٢٦ . وواضح من روح الآية أنه انطوى في التحدي يقين بأن الكفار هم الضالون الذين سوف يكونون شرّا مكانا وأضعف جندا، وأن هذا هو ما أشعرهم به التحدي ؛ حيث ينطوي في ذلك تنديد وإنذار لاذعان. أما الآية الثانية فهي تعقيب على الأولى وتوكيد لما انطوى فيها. فالكفار هم الذين ارتكسوا في الضلالة، دون المؤمنين الذين يكونون موضع رحمة الله فيزدادون بإيمانهم بآيات الله المتجمدة وبأعمالهم الصالحة المتجمدة هدى على هدى.
وقد انطوت الفقرة الأخيرة منها على تحريض قوي على صالح الأعمال بأسلوب مطلق، كأنما تهتف بالناس جميعهم أن كل شيء إلى زوال إلا العمل الصالح، فهو الباقي كل البقاء النافع كل النفع. وفي هذا ما فيه من نداء وتلقين مستمري المدى.
تعليق على جملة
والْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ
ولقد روى المفسرون عن أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم أقوالا عديدة في مدى هذه الجملة ١ :
منها أنها في معنى الأعمال الصالحة وطاعة الله إطلاقا، ويدخل في ذلك الحج والصلاة والزكاة والجهاد الخ. ومنها أنها في معنى الصلوات المكتوبة وحسب. ومنها أنها ذكر الله وتسبيحه وحمده. ورووا في صدد القول الأخير أحاديث عديدة منها الوارد في كتب الصحاح ومنها غير الوارد. فمن غير الوارد في هذه الكتب حديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" استكثروا من الباقيات الصّالحات. قيل : وما هي يا رسول الله ؟ قال : التّكبير والتّهليل والتّسبيح والحمد ولا قوّة إلاّ بالله " ومنها حديث عن عبد الرحمان بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إنّ قول لا إله إلاّ الله والحمد لله وسبحان الله تحطّ الخطايا كما تحطّ ورق هذه الشّجرة الرّيح. خذهنّ يا أبا الدرداء قبل يحال بينك وبينهنّ. هنّ الباقيات الصّالحات، وهنّ من كنوز الجنّة " ٢ ومما ورد في كتب الصحاح حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي قال " أكثر من لا حول ولا قوّة إلاّ بالله فإنّها كنز من كنوز الجنّة " ٣ وننبه على أن الأحاديث الواردة في كتب الصحاح لا تذكر الصيغ التي وردت فيها أنها الباقيات الصالحات أو هي منها.
ومهما يكن من أمر فإن الأسلوب المطلق الذي جاءت به الجملة يسوّغ القول : إنها تعني كل عمل صالح مع القول إن تسبيح الله وحده وتكبيره من جملة ذلك.
ونقول من جهة أخرى إن المتبادر على ضوء الآيات والأحاديث أن الخطايا التي يمكن أن يكفرها التسبيح والتهليل وذكر الله هي التي تكون من نوع الهفوات واللمم دون الآثام والفواحش والكبائر والبغي. وهناك حديث رواه مسلم عن عثمان بن عفان قال " سمعت رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلاّ كانت كفّارة لما قبلها من الذّنوب ما لم يأت كبيرة ". حيث يصح أن يكون ذلك ضابطا والله أعلم.
ويتبادر لنا كذلك أن من الحكمة المنطوية في الأحاديث النبوية جعل المؤمنين يكثرون من ذكر الله تعالى لما يؤدي ذلك إليه من مراقبتهم الله ووقوفهم عند حدود أوامره ونواهيه، وابتغائهم الوسيلة إلى رضائه. وفي ذلك ما فيه من أسباب الخير والفوائد الجليلة، والله تعالى أعلم.
التفسير الحديث
دروزة