وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي الصُّوَرَ، وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ: أَثَاثًا وَرِئْيًا : أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَحْسَنُ صُوَرًا. وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ صَحِيحٌ.
قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥) .
يَقُولُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِرَبِّهِمُ الْمُدَّعِينَ، أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّكُمْ عَلَى الْبَاطِلِ: مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ أَيْ: مِنَّا وَمِنْكُمْ، فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا أَيْ: فَأَمْهَلَهُ الرَّحْمَنُ (١) فِيمَا هُوَ فِيهِ، حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ وَيَنْقَضِيَ (٢) أَجْلُهُ، إِمَّا الْعَذَابَ يُصِيبُهُ، وَإِمَّا السَّاعَةَ بَغْتَةً تَأْتِيهِ، فَسَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا [أَيْ] (٣) : فِي مُقَابَلَةِ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ خَيْرِيَّةِ الْمَقَامِ وَحُسْنِ النَّدِيِّ.
قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا فَلْيَدَعْهُ اللَّهُ فِي طُغْيَانِهِ. هَكَذَا قَرَّرَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَهَذِهِ مُبَاهَلَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى هُدًى فِيمَا هُمْ فِيهِ (٤)، كَمَا ذَكَرَ تَعَالَى مُبَاهَلَةَ الْيَهُودِ فِي قَوْلِهِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الْجُمُعَةِ: ٦] أَيِ: ادْعُوا عَلَى الْمُبْطِلِ مِنَّا وَمِنْكُمْ بِالْمَوْتِ (٥) إِنْ كُنْتُمْ تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكُمُ الدُّعَاءُ، فَنَكَلُوا عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" مَبْسُوطًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَكَمَا ذَكَرَ تَعَالَى الْمُبَاهَلَةَ مَعَ النَّصَارَى فِي سُورَةِ "آلِ عِمْرَانَ" حِينَ (٦) صَمَّمُوا عَلَى الْكُفْرِ، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى الطُّغْيَانِ وَالْغُلُوِّ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ عِيسَى وَلَدُ اللَّهِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ حُجَجه وَبَرَاهِينَهُ عَلَى عُبُودِيَّةِ عِيسَى، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ كَآدَمَ، قَالَ (٧) بَعْدَ ذَلِكَ: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آلِ عِمْرَانَ: ٦١] فَنَكَلُوا أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ.
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) .
لَمَّا ذَكَرَ [اللَّهُ] (٨) تَعَالَى إِمْدَادَ مَنْ هُوَ فِي الضَّلَالَةِ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَزِيَادَتَهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، أَخْبَرَ بِزِيَادَةِ الْمُهْتَدِينَ هُدى كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
(٢) في أ: "ويقضي".
(٣) زيادة من أ.
(٤) في أ: "وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون على هدى قيامهم".
(٥) في ف: "أي ادعوا بالموت على المبطل منا ومنكم"، وفي أ: "أي ادعوا بالموت على المبطل منا أو منكم".
(٦) في أ: "حتى".
(٧) في ت: "وقال".
(٨) زيادة من ت.
وَقَوْلُهُ: وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا، وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَإِيرَادُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا فِي سُورَةِ "الْكَهْفِ".
خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا أَيْ: جَزَاءً وَخَيْرٌ مَرَدًّا أَيْ: عَاقِبَةً وَمَرَدًّا عَلَى صَاحِبِهَا.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَخَذَ عُودًا يَابِسًا فَحَطَّ وَرَقَهُ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ قَوْلَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، تَحُطُّ الْخَطَايَا كَمَا تَحُطُّ وَرَقَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الرِّيحُ (١)، خُذْهُنَّ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُنَّ، هُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَهُنَّ (٢) مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ" قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: لَأُهَلِّلَنَّ اللَّهَ، وَلَأُكَبِّرَنَّ اللَّهَ، وَلَأُسَبِّحَنَّ اللَّهَ، حَتَّى إِذَا رَآنِي الْجَاهِلُ حَسِبَ أَنِّي مَجْنُونٌ (٣)
وَهَذَا ظَاهِرُهُ (٤) أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَكَذَا وَقَعَ فِي سُنَنِ ابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ عُمر (٥) بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فذكر نحوه (٦)
(٢) في أ: "وهو".
(٣) تفسير عد الرزاق (٢/١٢).
(٤) في أ: "وهذا ظاهر".
(٥) في ت: "عمرو".
(٦) سنن ابن ماجه برقم (٣٨١٣) وقال البوصيري في الزوائد (٣/١٩٤) :"هذا إسناد ضعيف".
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة