ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وإذا تتلى على المنكرين للآخرة آيات ربنا المؤكدة حقيقة البعث، المبينة مآل الجاحدين من شياطين الجن والإنس، جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ؛ { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين )١ ؛ { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه.. )٢ ؛ كأنهم قالوا : لو كنتم على الحق وكنا على الباطل كان حالكم في الدنيا أحسن وأطيب من حالنا، لأن الحكيم لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في العذاب والذل، وأعداءه المعرضين عن خدمته في العز والراحة.. ٣ـ ؛ [ وغرضهم إدخال الشبهة على المستضعفين وإيهامهم أن من كثر ماله دل ذلك على أنه المحق في دينه ]٤ ؛ ونسوا أن ذلك من الله تعالى ابتلاء :{ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين )٥.
فخروا على المسلمين بطيب منازلهم ومساكنهم، وزخرف نواديهم ومجالسهم، فرد الله الحكيم فريتهم، وأبطل مقالتهم بقوله العزيز : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا كثير هم البطرون الجاحدون الذين أهلكناهم ودمرنا عليهم قبل هؤلاء، وكانوا أكثر أموالا وأولادا، فما أغنى عنهم جمعهم وما كانوا يستكبرون ؛ فأين هم من فرعون وقومه ؟ وقد ذكر الكتاب المجيد بما مكنوا فيه، فلما حل بهم بأس الله هلكوا غير مأسوف عليهم :{ كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين )٦ ؛ كما قال عز شأنه :{ فأخرجناهم من جنات وعيون. وكنوز ومقام كريم. كذلك أورثناها بني إسرائيل )٧.
قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ؛ أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب على هؤلاء المتمادين في الغي بإنذارهم عاقبة طغيانهم، وأن مآل الضال إلى الخزي والنكال ـ وإن طالت مدته، وكثرت عدته ؛ وقوله : فليمدد له الرحمن مدا ، خبر مخرج على لفظ الأمر... لتنقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة :{.. أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر.. )٨، أو ليزدادوا إثما كقوله :{.. إنما نملي ليزدادوا إثما.. )٩، أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته ؛ والغاية أحد الأمرين المذكورين : أي انقطاع العذر، أو ازدياد الإثم ـ١٠.
حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة طائفة من اللغويين والمفسرين قالوا : إما بعذاب نجريه على أيدي عبادنا المؤمنين فيخذل أهل الباطل وتقطع رقابهم ويؤسرون، وبهذا بشر الله من جاهد أعداء الدين : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين )١١ ؛ وإما أن تقوم الساعة فيصار بهم إلى النار ؛ { فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ؛ وفي السعير يسوء مصيرهم، ويكفر بعضهم ببعض ويهلك سلطانهم ؛ وهذا في مقابلة ما تعاظموا به على المسلمين من قولهم الذي حكاه القرآن : أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا . ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وبينما يمد للزائغين في زيغهم حتى يوافيهم الخزي في أولاهم وآخرتهم، ويزيد المولى بفضله أهل الإيمان رشدا وهداية إلى مدارج السعادة، قيل : ويزيد الله الذي اهتدوا إلى الطاعة هدى إلى الجنة ؛ والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوبا وخير أملا العبادات والطاعات والقربات التي هدى إليها أهل الإيمان، وأتموها بإحسان وإخلاص هي عند مولانا الغفور الشكور أعظم أجرا، وأبرك مآلا ومرجعا ؛ واختار القرطبي أن تكون : أفضل في الآخرة مما افتخر به الكفار في الدنيا، وخير ردا على عاملها بالثواب ؛ لكن نقل النيسابوري زيادة : ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم : الصيف أحرمن الشتاء، أي : هو أبلغ في حره من الشتاء في برده


فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير