فخروا على المسلمين بطيب منازلهم ومساكنهم، وزخرف نواديهم ومجالسهم، فرد الله الحكيم فريتهم، وأبطل مقالتهم بقوله العزيز : وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا كثير هم البطرون الجاحدون الذين أهلكناهم ودمرنا عليهم قبل هؤلاء، وكانوا أكثر أموالا وأولادا، فما أغنى عنهم جمعهم وما كانوا يستكبرون ؛ فأين هم من فرعون وقومه ؟ وقد ذكر الكتاب المجيد بما مكنوا فيه، فلما حل بهم بأس الله هلكوا غير مأسوف عليهم :{ كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين )٦ ؛ كما قال عز شأنه :{ فأخرجناهم من جنات وعيون. وكنوز ومقام كريم. كذلك أورثناها بني إسرائيل )٧.
قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ؛ أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب على هؤلاء المتمادين في الغي بإنذارهم عاقبة طغيانهم، وأن مآل الضال إلى الخزي والنكال ـ وإن طالت مدته، وكثرت عدته ؛ وقوله : فليمدد له الرحمن مدا ، خبر مخرج على لفظ الأمر... لتنقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة :{.. أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر.. )٨، أو ليزدادوا إثما كقوله :{.. إنما نملي ليزدادوا إثما.. )٩، أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته ؛ والغاية أحد الأمرين المذكورين : أي انقطاع العذر، أو ازدياد الإثم ـ١٠.
حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة طائفة من اللغويين والمفسرين قالوا : إما بعذاب نجريه على أيدي عبادنا المؤمنين فيخذل أهل الباطل وتقطع رقابهم ويؤسرون، وبهذا بشر الله من جاهد أعداء الدين : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين )١١ ؛ وإما أن تقوم الساعة فيصار بهم إلى النار ؛ { فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ؛ وفي السعير يسوء مصيرهم، ويكفر بعضهم ببعض ويهلك سلطانهم ؛ وهذا في مقابلة ما تعاظموا به على المسلمين من قولهم الذي حكاه القرآن : أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا . ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وبينما يمد للزائغين في زيغهم حتى يوافيهم الخزي في أولاهم وآخرتهم، ويزيد المولى بفضله أهل الإيمان رشدا وهداية إلى مدارج السعادة، قيل : ويزيد الله الذي اهتدوا إلى الطاعة هدى إلى الجنة ؛ والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوبا وخير أملا العبادات والطاعات والقربات التي هدى إليها أهل الإيمان، وأتموها بإحسان وإخلاص هي عند مولانا الغفور الشكور أعظم أجرا، وأبرك مآلا ومرجعا ؛ واختار القرطبي أن تكون : أفضل في الآخرة مما افتخر به الكفار في الدنيا، وخير ردا على عاملها بالثواب ؛ لكن نقل النيسابوري زيادة : ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم : الصيف أحرمن الشتاء، أي : هو أبلغ في حره من الشتاء في برده
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب