قوله :( قل )أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم : من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً " ٧٥ "
( سورة مريم ) :
أي : يمهله ويستدرجه ؛ لأنه رب للجميع، وبحكم ربوبيته يعطي المؤمن والكافر، وكما يعين المؤمن بالنصر، كذلك يعين الكافر بمراده، كما في قوله تعالى : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً " ١٠ "
( سورة البقرة ) : لأنهم ارتاحوا إليه، ورضوا به، وطلبوا منه المزيد.
فليمدد له الرحمن " ٧٥ " ( سورة مريم ) : أي : في الدنيا وزينتها، كما قال :
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيبٍ " ٢٠ " ( سورة الشورى ).
وفي موضع آخر يقول : إياك أن تعجب أموالهم وأولادهم ؛ لأنها فتنة لهم، يعذبهم بها في الدنيا بالسعي في جمع الأموال وتربية الأولاد، ثم الحسرة على فقدهما، ثم يعذبهم بسببها في الآخرة :
فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون " ٥٥ " ( سورة التوبة ).
ثم يقول تعالى : حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة.. " ٧٥ " ( سورة مريم ) : العذاب : عذاب الدنيا. أي : بنصر المؤمنين على الكافرين وإهانتهم وإذلالهم.
وإما الساعة.. " ٧٥ " ( سورة مريم ) : أي : ما ينتظرهم من عذابها، . وعند ذلك : فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً " ٧٥ " ( سورة مريم ) :
لكنه علم لا يجدي، فقد فات أوانه، فالموقف في الآخرة حيث لا استئناف للإيمان، فالنكاية هنا أعظم والحسرة أشد.
لكن، ما مناسبة ذكر الجند هنا والكلام عن الآخرة ؟ وماذا يغني الجند في مثل هذا اليوم ؟ قالوا : هذا تهكم بهم كما في قوله تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون " ٢٢ " من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم " ٢٣ " ( سورة الصافات ).
فهل أخذهم إلى النار هداية ؟
ثم يلتفت إليهم : ما لكم لا تناصرون " ٢٥ " بل هم اليوم مستسلمون " ٢٦ " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " ٢٧ " قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين " ٢٨ " قالوا بل لم تكونوا مؤمنين " ٢٩ " وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين " ٣٠ " ( سورة الصافات ) : أي : لم نجبركم على شيء، مجرد أن أشرنا لكم أطعتمونا. لذلك، سيقولون في موضع آخر :
ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين " ٢٩ "
( سورة فصلت ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي