ﮐﮑﮒﮓﮔ

٨٧٠- في هذه الآية من الأسئلة : ما معنى الرحمة هاهنا ؟ وهل هي عامة للكافر والمؤمن أو المراد بها المؤمن ؟ وكيف معنى حصر إرساله في الرحمة مع اشتمال إرساله على معان أخرى ؟ وهل الرحمة هاهنا منصوبة على الحال أو المفعول من أجله، أو غير ذلك ؟ وهل العالمين باق على عمومه أم لا ؟
والجواب : الرحمة في حق الله تعالى باعتبار الحقيقة اللغوية، لأنها ميل الطبع، والطبع وعوارضه على الله تعالى محال، فاختلف العلماء في المجاز الذي تحمل عليه.
فقال القاضي أبو بكر : تحمل على الإحسان، لأنه من لوازم الرحمة في حق البشر لأن من رق طبعه على شخص أحسن إليه.
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري : تحمل على إرادة الإحسان، فإن من رق طبعه أراد الإحسان. فلإحسان وإرادته كلاهما يمكن التجوز إليه عن محل الحقيقة. ومجاز الشيخ أرجح، لأن إرادة الإحسان قبل الإحسان قبل الإحسان، وقد تقع الإرادة ولا يقع الإحسان. فالإرادة أكثر وألزم للحقيقة وأقرب، فيكون التجوز إليها أرجح.
وقال العلماء : للكافر من هذه الرحمة حظ. وذلك الحظ هو تأخير العذاب عنه إلى يوم القيامة بسبب إرساله عليه السلام. ومن رحمة الله تعالى التي جعلها في إرسال نبيه ضرب الجزية على الكافر حتى يسلم تائبهم، وينيب منيبهم، ويخرج من ذراريهم في أخر الزمان من يوحد الله تعالى. ولو يعجل لهم العذاب لبطل ذلك كله.
وأما حصر إرساله في الرحمة مع اشتمالها على الوعيد وإقامة الحجة على الكفار وتدميرهم وهلاكهم بسبب تكذيبه عليه السلام، وقد قال الله تعالى في القرآن : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ١، فالقرآن لمن لا يؤمن به سبب حسرة وهلاك. والميت في زمن الجاهلية من الكفار أسعد حالا ممن أدرك رسول الله عليه السلام ولم يؤمن به، وآذاه، وشنع وحزب عليه الأحزاب، وعامله بالقبيح.
فهذه أمور كلها نشأت عن الرسالة، فكيف يبقى الحصر ؟ فتوجيه الحصر أن الإرسال من حيث هو إرسال إنما فيه الرحمة والإحسان للخلق، وإنما جاءت هذه المكاره من أسباب أخر من العوائد الفاسدة وحب الرياسة وإتباع الآباء والأهوية، وغير ذلك من أسباب الفساد هي المقتضية لفساد حتى لو سلم الإرسال من هذه العوارض لم يترتب على الإرسال إلا رحمة وخير وأسلم الخلق كلهم، كما قال الله تعالى : فطرة الله التي فطر الناس عليها ٢ وكقوله تعالى : كان الناس أمة واحدة ٣، فمقتضى الإرسال مع الطباع السليمة الرحمة فقط، فالحصر ثابت باعتبار الإرسال وهو صحيح. وإذا سمي رحمة صرفة لا يقدح فيه كون غيره سبب الفساد.
وأما نصب " الرحمة " فيحتمل المفعول من أجله، أي : " ما أرسلناك لسبب من الأسباب إلا بسبب الرحمة ". ويحتمل أن يكون منصوبا على الحال من الفاعل، أي : راحمين للناس، أو من المفعول، تقديره : " وما أرسلناك إلا مرحوما بك الناس " ويحتمل أن يكون منصوبا على المصدر، لأن نفس الإرسال رحمة فلاقى الفعل في المعنى، فينتصب على المصدر، أي : على الصفة للمصدر، تقديره : " إلا إرسالا رحمة ". فهذه أربعة أوجه، والمتبادر هو الأول.
وأما " العالمين "، فقال أهل اللغة : العالم : كل طائفة من الموجودات عالم وقد ورد في الحديث : " إن الله يرحم بالرجل الصالح البلاد والعباد والدواب والشجر " ٤ فيسقى به الغيث، فيصل إلى كل من هذه الأمور رحمة بحسبه. والرجل الفاجر بفعله يقطع بسببه الغيث، فيحدث لكل واحد من هذه فسادا بحسبه.
فبهذه الطريق أمكن أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالمين فيكون على عمومه. ( الاستغناء : ٥٠٦ وما بعدها ).

١ سورة فصلت: ٤٤..
٢ - سورة الروم: ٣٠..
٣ - سورة البقرة: ٢١٣..
٤ - لم أعثر على هذا الحديث في مظان الحديث النبوي ومعاجمه..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير