وَمَا أرسلناك إِلاَ رَحْمَةً للعالمين أي وما أرسلناك يا محمد بالشرائع والأحكام إلا رحمة لجميع الناس، والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال والعلل، أي ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، قيل : ومعنى كونه رحمة للكفار : أنهم أمنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال، وقيل : المراد بالعالمين : المؤمنون خاصة، والأوّل أولى بدليل قوله سبحانه : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ [ الأنفال : ٣٣ ].
وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [ الزخرف : ٥٧، ٥٨ ]. ثم نزلت : إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ منَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ . وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والطبراني من وجه آخر عنه أيضاً نحوه بأطول منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله : إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى قال :«عيسى وعزير والملائكة». وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله : حَصَبُ جَهَنَّمَ قال : شجر جهنم، وفي إسناده العوفي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه من وجه آخر أن حَصَبُ جَهَنَّمَ وقودها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : هو حطب جهنم بالزنجية. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا قال :«حيات على الصراط تقول حس حس» وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي في قوله : لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا قال : حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قالوا : حس حس. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن محمد بن حاطب قال : سئل عليّ عن هذه الآية : إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى قال : هو عثمان وأصحابه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا يقول : لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا [ نزلوا ] منزلهم من الجنة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر قال : النفخة الآخرة، وفي إسناده العوفي. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ثلاثة على كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة : رجل أمّ قوماً وهم له راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة. وعبد أدّى حق الله وحقّ مواليه ). وأخرج عبد بن حميد عن عليّ في قوله : كَطَيّ السجل قال : ملك. وأخرج عبد بن حميد عن عطية مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال : اكتبوها نوراً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي جعفر الباقر قال : السجل ملك. وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، وابن منده في المعرفة، وابن مردويه، والبيهقي في سننه وصححه عن ابن عباس قال : السجل كاتب للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر وابن عديّ وابن عساكر عن ابن عباس قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يسمى : السجل، وهو قوله : يَوْمَ نَطْوِي السماء كَطَيّ السجل للكتب قال : كما يطوي السجل الكتاب كذلك نطوي السماء. وأخرج ابن المنذر، وأخرج بن منده وأبو نعيم في المعرفة وابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عمر قال : كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له : السجل، فأنزل الله : يَوْمَ نَطْوِي السماء كَطَيّ السجل قال ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا الحديث : وهذا منكر جداً من حديث نافع عن ابن عمر، لا يصح أصلاً. قال : وكذلك ما تقدّم عن ابن عباس من رواية أبي داود وغيره لا يصح أيضاً. وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في سنن أبي داود منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج وقد أفردت لهذا الحديث جزءاً له على حدة، ولله الحمد. قال : وقد تصدّى الإمام أبو جعفر ابن جرير للإنكار على هذا الحديث وردّه أتمّ ردّ، وقال : ولا نعرف في الصحابة أحداً اسمه سجلّ، وكتاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا معروفين، وليس فيهم أحد اسمه السجل. وصدق رحمه الله في ذلك وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث. وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره والله أعلم. قال : والصحيح عن ابن عباس : أن السجلّ هو الصحيفة، قاله عليّ بن أبي طلحة والعوفي عنه. ونصّ على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام : يوم نطوي السماء كطيّ السجلّ للكتاب أي : على الكتاب، يعني المكتوب كقوله : فلما أَسْلَمَا وَتَلَهُ لِلْجَبِينِ [ الصافات : ١٠٣ ]، أي : على الجبين، وله نظائر في اللغة والله أعلم. قلت : أما كون هذا هو الصحيح عن ابن عباس فلا، فإن عليّ بن أبي طلحة والعوفيّ ضعيفان، فالأولى التعويل على المعنى اللغوي والمصير إليه. وقد أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال : السجل هو الرجل، زاد ابن مردويه : بلغة الحبشة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير الآية قال : كطيّ الصحيفة على الكتاب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ يقول : نهلك كل شيء كما كان أوّل مرّة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر قال : القرآن أَنَّ الأرض قال : أرض الجنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور قال : الكتب مِن بَعْدِ الذكر قال : التوراة وفي إسناده العوفي. وأخرج سعيد بن منصور عنه أيضاً، قال : الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن. والذكر : الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء، والأرض : أرض الجنة. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون قال : أرض الجنة. وأخرج بن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض أن يورث أمة محمد الأرض، ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون، وفي قوله : لبلاغا لّقَوْمٍ عابدين قال : عالمين، وفي إسناده عليّ بن أبي طلحة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي هريرة : إِنَّ فِي هذا لبلاغا لقَوْمٍ عابدين قال : الصلوات الخمس. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والديلمي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( في قول الله : إِنَّ فِي هذا لبلاغا لقَوْمٍ عابدين قال : في الصلوات الخمس شغلاً للعبادة ). وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس :( أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية : لبلاغا لقَوْمٍ عابدين قال :( هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة ). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين قال : من آمن تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب من الخسف والمسخ والقذف. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال :( قيل : يا رسول الله ادع الله على المشركين، قال :( إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة ). وأخرج الطيالسي وأحمد والطبراني، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين ). وأخرج أحمد والطبراني عن سلمان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليه صلاة يوم القيامة ). وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إنما أنا رحمة مهداة» وقد روي معنى هذا من طرق. وأخرج ابن أبي خيثمة وابن عساكر عن الربيع بن أنس قال : لما أسري بالنبيّ صلى الله عليه وسلم رأى فلاناً، وهو بعض بني أمية على المنبر يخطب الناس، فشقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ يقول : هذا الملك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ يقول : ما أخبركم به من العذاب والساعة، لعلّ تأخير ذلك عنكم فتنة لكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله : قُل رَبّ احكم بالحق قال : لا يحكم الله إلا بالحق، وإنما يستعجل بذلك في الدنيا يسأل ربه.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني