ثم يقول الحق سبحانه :
إنكم وما تعبدون من دون الله حصب١ جهنم أنتم لها واردون ( ٩٨ ) :
فالذين اتخذتموهم آلهة من دون الله من الأصنام والأوثان والشمس والقمر والأشجار سيسبقونكم إلى جهنم لنقطع عليكم أي أمل في النجاة، لأنهم حين يرون العذاب ربما تذكروا هؤلاء، وفكروا في اللجوء إليهم والاستنجاد بهم، لعلهم يخرجونهم من هذا المأزق، وقد سبق أن قالوا عنهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله.. ( ١٨ ) [ يونس ].
وقالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.. ( ٣ ) [ الزمر ].
لذلك، يجمعهم الله جميعا في جهنم ليقطع عنهم الآمال، ويبدو خجل المعبود وخيبة العابد، لأنه جاء النار فوجد معبوده قد سبقه إليها.. لكن، هل هذا الكلام على إطلاقه فقد عبد الكفار الأصنام، ومنهم من عبدوا عيسى عليه السلام، ومنهم من عبدوا عزيرا، ومنهم من عبدوا الملائكة، فهل سيجمع هؤلاء أيضا مع عابديهم في النار ؟.
لو قلنا بهذا الرأي فدخولهم النار مثلما دخلها إبراهيم، فجمع الله له النار والسلامة في وقت واحد، ويكون وجودهم لمجرد أن يراهم عابدوهم، ويعلموا أنهم لا ينفعونهم٢.
ومعنى حصب جهنم.. ( ٩٨ ) [ الأنبياء ] : الحصب مثل : الحطب، وهو كل ما توقد به النار أيا كان خشبا أو قشا أو بترولا أو كهرباء، وفي آية أخرى : وقودها الناس والحجارة.. ( ٦ ) [ التحريم ] : لذلك فإن النار نفسها تشتاق للكفار، وتنتظرهم، وتتلهف عليهم كما يقول تعالى : يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ( ٣٠ ) [ ق ].
ويقول تعالى : إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور ( ٧ ) تكاد تميز من الغيظ.. ( ٨ ) [ الملك ].
وقوله تعالى : أنتم لها واردون ( ٩٨ ) [ الأنبياء ] : الورود هنا بمعنى : الدخول والمباشرة، لا كالورود٣ في الآية الأخرى : وإن منكم إلا واردها.. ( ٧١ ) [ مريم ].
١- حصب جهنم: قراءة الجمهور.
٢- حطب جهنم: قراءة علي بن أبي طالب وعائشة.
٣- حضب جهنم: قراءة ابن عباس. [تفسير القرطبي ٦/٤٥٢٤]..
٢ عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: لما نزلت إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (٩٨) [الأنبياء]. فقال ابن الزبعري: ألست تزعم يا محمد أن عيسى عبد صالح، وأن عزيرا عبد صالح، وأن الملائكة صالحون؟ قال: بلى. قال: فهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرا، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة، فضج أهل مكة وفرحوا، فنزلت إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (١٠١) [الأنبياء] عزير وعيسى والملائكة. أخرجه أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه والطبراني، قاله السيوطي في الدر المنثور (٥/٦٧٩)..
٣ اختلف العلماء في معنى الورود في قوله تعالى وإن منكم إلا واردها..(٧١) [مريم] على أقوال عدة منها:
- الورود: الدخول، قاله ابن عباس وخالد ابن معدان وابن جريج وغيرهما..
تفسير الشعراوي
الشعراوي