ثم ذكر حال المذبذبين، بعد ذكر حال المجادلين المصممين، فقال :
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآُخِرَةَ ذالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذالِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ * يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ
يقول الحقّ جلّ جلاله : ومن الناس من يعبد الله على حَرْفٍ أي : على طرف من الدين لا ثبات له فيه، كالذي ينحرف إلى طرف الجيش، فإن أحس بظفر قرَّ، وإلا فر. وفي البخاري عن ابن عباس :" كان الرجل يَقدمُ المدينة، فإن ولدت امرأتُهُ غلامًا ونُتجَتْ خَيْلُه، قال : هذا دينٌ صالح، وإن لم تَلِد امرأته، ولم تنتج خيلُه، قال : هذا الدين سُوء " ١. وكأن الحق تعالى سلك في الآية مسلك التدلي، بدأ بالكافر المصمم، يجادل جدالاً مجملاً، يتبع فيه كل شيطان مريد. والثاني : مقلد مجادل، من غير دليل ولا برهان، والثالث : كافر أسلم إسلامًا ضعيفًا. ثم قابل الأقسام الثلاثة بضدهم، بقوله : إن الله يدخل الذين آمنوا. . . الآية.
ثم كمَّل حال المذبذب بقوله : فإِن أصابه خيرٌ أي : دنيوي ؛ من الصحة في البدن، والسعة في المعيشة، اطمأن به أي : ثبت على ما كان عليه ظاهرًا، لا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين، الذين لا يلويهم عنه صارف، ولا يثنيهم عنه عاطف. وإِن أصابته فتنةٌ : بلاء في جسده، وضيق في معيشته، أو شيء يفتتن به، من مكروه يعتريه في بدنه أو أهله أو ماله، انقلب على وجهه أي : ارتد ورجع إلى الكفر، كأنه تنكس بوجهه إلى أسفل. أو انقلب على جهته التي كان عليها. وتقدم عن ابن عباس أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة، مهاجرين، فكان أحدهم إذا صحَّ بدنه ونتجَتْ فَرَسُه مُهْرًا سريًا، وولدت امرأته غلامًا سويًا، وكَثُرَ مالُه وماشيته، قال : ما أصبتُ، مذ دخلت في ديني هذا، إلا خيرًا، واطمأن، وإن كان الأمر خلافه، قال : ما أصبتُ إلا شرًّا، وانقلب عن دينه. وعن أبي سعيد رضي الله عنه : أَنَّ يهُوديًا أَسْلَمَ فَأَصابَتْهُ مَصَائبُ، وتَشَاءَمَ بالإِسْلامِ، فَأَتَى النَّبي صلى الله عليه وسلم فَقَال : أَقِلْنِي، فقال :" إنَّ الإسْلاَمَ لا يُقالُ " فَنَزلت٢.
خَسِرَ الدنيا والآخرة : فَقَدَهُما، وضيعهما ؛ بذهاب عصمته، وحبوط عمله بالارتداد. وقرأ يعقوب : خاسر، على حال. ذلك هو الخسران المبين ؛ الواضح، الذي لا يخفى على أحد أنه لا خسران مثله.
قال بعضهم : سيروا إلى الله عَرْجَى ومكاسير. وفي الحكم :" إلهي ؛ قد علمتُ، باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار، أن مرادك مني أن تتعرف إليّ في كل شيء، حتى لا أجهلك في شيء ". وقال أيضًا :" لا تطلبن بقاء الواردات، بعد أن بسطت أنوارها، وأودعت أسرارها، فلك في الله غنى عن كل شيء، وليس يغنيك عنه شيء ". فكن عبد المحوِّل، ولا تكن عبد الحال، فالحال تَحُولُ وتتغير، والله تعالى لا يحول ولا يزول، فكن عبدًا لله، ولا تكن عبدًا لغيره. لِكَلِّ شَيء إن فارقْتَهُ عِوَضٌ وَلَيْسَ لله إنْ فَارقَْتَ مِنْ عِوَض
٢ أخرجه الواحدي في أسباب النزول ٣١٧..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي