وهو قول مجاهد (١) والسدي وقتادة (٢)، واختيار أبي إسحاق (٣) وأبي زيد وابن الأعرابي.
روى ابن اليزيدي (٤) عن أبي زيد: على حرف على شك (٥).
وقال ابن الأعرابي: [الحرف] (٦) الشك في قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
ورواه سعيد بن منصور في "تفسيره" ل ١٥٥ ب، والطبري ١٧/ ١٢٣.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٤ وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٣٣، والطبري ١٧/ ١٢٣ عن قتادة، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٤ وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤١٤.
(٤) في (أ): (ابن الزيدي)، وهو خطأ.
وابن اليزيدي هو: إبراهيم بن يحيى بن المبارك بن المغيرة، أبو إسحاق بن أبي محمد العدوي مولاهم، المعروف بابن اليزيدي.
بصري سكن بغداد وسمع من أبيه وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وغيرهم. وكان ذا قدر وعلم بالنحو واللغة والقراعة والأدب. له مصنفات كثيرة منها: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" كبير جدًّا، و"مصادر القرآن" بلغ فيه إلى سورة الحديد. توفي سنة ٢٢٥ هـ.
واليزيدي: نسبة إلى يزيد بن منصور الحميري خال المهدي، وكان أبوه يحيى بن المبارك مؤدبًا، لأولاده منقطعًا إليه، فنسب إليه.
انظر: "تاريخ بغداد" ٦/ ٢٠٩، "إنباه الرواة" ١/ ٢٢٤ - ٢٢٦، "اللباب" لابن الأثير ٣/ ٤١١، "غاية النهاية" ١/ ٢٩، "طبقات المفسرين" للداود ١/ ٢٥ - ٢٧.
(٥) ذكره الأزهرى في "تهذيب اللغة" ٥/ ١٢ من رواية ابن اليزيدي، عن أبي زيد.
(٦) زيادة من "تهذيب اللغة".
يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} أي شك (١). ونحو هذا قال أحمد بن يحيى (٢).
وهذا الذي قالوا هو معنى "حرف" في هذه الآية لا تفسيره. وتفسير الحرف في اللغة: الطرف وهو منتهى الجسم، والحرف والطرف والجانب نظائر في اللغة.
والانحراف: الانعدال إلى الجانب وقلم محرف قد عدل بقطعة عن الاستواء والحرف منعدل إلى الجانب عن (٣) الوسط (٤).
وقال أبو الفتح الموصلي: أما الحرف فالقول فيه أن (ح ر ف) أينما وقعت في الكلام (٥) يراد به حد الشيء وحدته، من ذلك حرف الشيء إنما هو حده وناحيته، وطعام حريف: يراد به (٦) حدته. ورجل محارف: أي محدود عن الكسب والخير، ومثله محرف كأنَّ الخير قد حرف عنه ما يحرف القلم (٧).
وقولهم: انحرف فلان عني، من هذا، كأنّه جعل بيني وبينه حدًّا بالبعد والاعتزال. ومنه قولهم لهذه البقلة الحادة: الحُرْف (٨)، سمي بذلك
(٢) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ٥/ ١٥ من رواية أبي العباس -وهو ثعلب: أحمد ابن يحيى- عن ابن الأعرابي.
(٣) في (ع): (إلى)، وهو خطأ.
(٤) انظر: "حرف" في "تهذيب اللغة" للأزهري ٥/ ١٢، ١٤، "الصحاح" للجوهري ٤/ ١١٣٢، "لسان العرب" ٩/ ٤١ - ٤٣.
(٥) في (أ): (الكلاف)، وهو خطأ.
(٦) به: ساقطة من (د)، (ع).
(٧) العبارة في "سر صناعة الإعراب": ومثك مجرَّف ومجلَّف، كأنَّ الخير قد جُرِّف عن وجلف، كما يجلف القلم ونحوه.
(٨) الحُرْف: حبَّ الرشاد. "القاموس المحيط" ٣/ ١٢٧.
لحدته. هذا كلامه (١)
وعلى القول الأول أصل الحرف من الميل سمي الطرف حرفًا لميله عن (٢) الوسط، وعلى قول أبي الفتح أصله من الحدّة والطرف حرفٌ لحدته.
قال أبو إسحاق: وحقيقته أنه يعبد الله على حرف الطريقة في الدين، لا يدخل فيه دخول متمكن (٣).
وقال أبو عبيدة -في قوله: عَلَى حَرْفٍ -: أي لا يدوم. قال: وتقول (٤): إنَّما أنت على حرف (٥)، أي لا أثق بك (٦).
قال أبو الفتح: وهذا راجع إلى ما قدمناه لأن تأويله أنه قلق في دينه، على غير ثبات ولا طمأنينة ولا استحكام بصيرة، فكأنه معتمد (٧) على حرفٍ دينه غير واسط فيه، كالذي هو على حرف جبل ونحوه، يضطرب اضطرابا ويضعف قيامه، فهو يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف، فقيل للشاك في دينه أنه يعبد الله على حرف؛ لأنه لو عبده على يقين وبصيرة لم يكن في حرف يسقط عنه بأدنى شيء يصيبه. وهذا المعنى ظاهر في قوله: فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ الآية (٨).
(٢) في (أ)، (د): (على).
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤١٤.
(٤) في (د)، (ع): (ويقولون).
(٥) هكذا في جميع النسخ و"سر صناعة الإعراب"، وفي مجاز القرآن: إنما أنت لي على حرف. بزيادة (لي).
(٦) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٤٦.
(٧) في (د)، (ع): (متعمّد).
(٨) "سر ساعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني ١/ ١٤.
وقال بعض أهل المعاني: إنما قيل للشاك في دينه: يعبد الله علي حرف؛ لضعفه واضطرابه في طريق العلم إذْ (١) لم يتمكن في الدلائل المؤدية إلى الحق، فأدنى شبهة تعرض له ينقاد لها ولا يعمل في حلها.
وقال المبرد: والعرب تقول: فلان على حرف، إذا كان بين قوم يظهر الميل إلى أحدهم وفي نفسه من الآخرين شيء. ومعناه الشك وأصله من حرف الشيء، نحو: الحيل والدكان والحائط الذي القائم عليه غير مستقر.
هذا الذي ذكرناه كله يعود إلى معنى واحد.
وقال (٢) ابن قتيبة: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ (٣) واحد (٤) أي: على وجه واحد ومذهب واحد (٥).
واختار الأزهري هذا القول فقال: كأنَّ الخير والخصب ناحية، والضر والشر والمكروه ناحية أخرى، فهما حرفان، وعلى العبد أن يعبد خالقه على الحالتين (٦).
أعني السَّرّاء والضراء، ومن عبد الله على السرَّاء وحدها دون أن
(٢) في (د)، (ع): (قال).
(٣) إلى هنا ينتهي المفقود من نسخة (ظ)، والموجود يبدأ من قوله: (يعبد الله).
(٤) هكذا في جميع النسخ، والأظهر حذفا فليس (واحد) عند ابن قتيبة.
(٥) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢٩٠.
(٦) في (أ) زيادة بعد قوله (الحالتين): (فقد عبده عباده)، وهي زيادة ناشئة من انتقال نظر الناسخ إلى الكلام الذي بعده.
وليست في "تهذيب اللغة" للأزهري.
يعبده على الضراء فقد عبده على حرف، ومن عبده على الحالتين فقد عبده عبادة العبد المقر بأنَّ له خالقًا (١) يصرفه كيف يشاء، وهو في ذلك عادل غير ظالم له (٢).
فعلى هذا معنى قوله (٣) عَلَى حَرْفٍ على وجه واحد، وهو إذا أصاب خيرًا عبده، وإن أصابه شر ترك عبادته، على ما ذكره الأزهري.
وقال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه (٤).
ويكون معنى عَلَى حَرْفٍ في هذا القول: على شك.
قوله: فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ إن أصابه رخاء (٥) وعافية وخصب، وكَثُر ماله اطمأن على عبادة الله بذلك الخير الذي أصابه.
والكناية في بِهِ تعود إلى الخير.
وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ اختبار بجدب وقلة مال انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ قال أبو إسحاق: رجع عن دينه إلى الكفر وعبادة الأوثان (٦).
وقال المبرد: تأويله قلب وجهه عمَّا كان عليه من الدين والعبادة. ويجوز أن يكون المعنى انقلب على وجهه الذي توجه (٧) منه، وهو الكفر.
ويكون معنى الوجه على هذا: طريقه الذي جاء منه (٨)، وهو الكفر.
(٢) "تهذيب اللغة" للأزهري ٥/ ١٢ - ١٣ مع تصرف في العبادة.
(٣) في (ظ): (فعلى هذا المعنى في قوله).
(٤) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٤٨ أ، والبغوي ٥/ ٢٦٨ - ٢٦٩، والقرطبي ١٢/ ١٨.
(٥) في (أ): (رجاء). وهو تصحيف.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤١٤.
(٧) توجَّه: مهملة في (أ).
(٨) في (ظ)، (د)، (ع): (منهما).
قال الكلبي وغيره من المفسرين: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة. وكان أحدهم إذا صح جسمه، ونتجت (١) فرسه مهرًا حسنًا، وولدت امرأته غلامًا، وكثر ماله، رضي واطمأن، وقال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرًا. وإن أصابه وجع في (٢) المدينة، وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه (٣)، وذهب ماله، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان، فقال له (٤): والله ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرًا. فينقلب عن دينه. وذلك الفتنة (٥).
(٢) (في): ليست في (ظ)، (د)، (ع).
(٣) في (ظ): (رماله).
ورماكه: جمع رمكه، والرمكة: الفرس والأنثى من البراذين. الصحاح للجوهري ٤/ ١٥٨٨ (رمك)، "لسان العرب" ١٠/ ٤٣٤ (رمك).
(٤) (له): ساقطة من (أ)، (ع).
(٥) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي في الكشف والبيان ٣/ ٤٧ ب، ٤٨ أمن غير نسبة لأحد. وذكره عن الكلبي الرازي في "تفسيره" ٢٣/ ١٣.
وقد رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" ١٧/ ١٢٢ من رواية العوفي عن ابن عباس. وروى البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة الحج، باب: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ٨/ ٤٤٢ نحوه مختصرًا عن ابن عباس قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء. وروى ابن أبي حاتم، كما في "تفسير ابن كثير" ٣/ ٢٠٩ بإسناد حسن عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي -صلى الله عليه وسلم- فيسلمون. فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا: إن ديننا هذا لصالحٌ فتمسكوا به. وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط قالوا ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله على نبيه "ومن الناس.. " الآية.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي