وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ هذا بيان لشقاق أهل الشقاق. قال الواحدي : قال أكثر المفسرين : الحرف : الشك، وأصله من حرف الشيء وهو طرفه، مثل حرف الجبل والحائط، فإن القائم عليه غير مستقرّ، والذي يعبد الله على حرف قلق في دينه على غير ثبات وطمأنينة كالذي هو على حرف الجبل ونحوه يضطرب اضطراباً ويضعف قيامه فقيل للشاكّ في دينه : إنه يعبد الله على حرف، لأنه على غير يقين من وعده ووعيده، بخلاف المؤمن ؛ لأنه يعبده على يقين وبصيرة فلم يكن على حرف. وقيل : الحرف : الشرط، أي ومن الناس من يعبد الله على شرط، والشرط هو قوله : فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ أي خير دنيوي من رخاء وعافية وخصب وكثرة مال، ومعنى اطمأنّ به : ثبت على دينه واستمرّ على عبادته، أو اطمأن قلبه بذلك الخير الذي أصابه وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ أي شيء يفتتن به من مكروه يصيبه في أهله أو ماله أو نفسه انقلب على وَجْهِهِ أي ارتدّ ورجع إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر، ثم بيّن حاله بعد انقلابه على وجهه فقال : خَسِرَ الدنيا والآخرة أي ذهبا منه وفقدهما، فلاحظ له في الدنيا من الغنيمة والثناء الحسن، ولا في الآخرة من الأجر وما أعدّه الله للصالحين من عباده. وقرأ مجاهد، وحميد بن قيس، والأعرج، والزهري، وابن أبي إسحاق :«خاسرا الدنيا والآخرة » على صيغة اسم الفاعل منصوباً على الحال. وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. والإشارة بقوله : ذلك إلى خسران الدنيا والآخرة وهو مبتدأ وخبره هُوَ الخسران المبين أي الواضح الظاهر الذي لا خسران مثله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس والسديّ وابن يزيد وابن جريج أنه المعرض. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله : ثَانِي عِطْفِهِ قال : أنزلت في النضر بن الحارث. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : هو رجل من بني عبد الدار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ثَانِي عطْفِهِ قال : مستكبراً في نفسه. وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ قال : كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً وأنتجت خيله قال : هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه بسند صحيح قال : كان ناس من الأعراب يأتون النبيّ صلى الله عليه وسلم يسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم، فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن قالوا : إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا : ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله : وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً نحوه، وفي إسناده العوفي. وأخرج ابن مردويه أيضاً من طريقه أيضاً عن أبي سعيد قال : أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : أقلني أقلني، قال :«إن الإسلام لا يقال»، فقال : لم أصب من ديني هذا خيراً، ذهب بصري ومالي ومات ولدي، فقال :( يا يهوديّ، الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة )، فنزلت وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ ). وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله قال : من كان يظنّ أن لن ينصر الله محمداً في الدنيا والآخرة فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ قال : فليربط بحبل إِلَى السماء قال : إلى سماء بيته السقف ثُمَّ ليَقْطَعْ قال : ثم يختنق به حتى يموت. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه قال : مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لن يَنصُرَهُ الله يقول : أن لن يرزقه الله فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء فليأخذ حبلاً فليربطه في سماء بيته فليختنق به فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ قال : فلينظر هل ينفعه ذلك أو يأتيه برزق.