ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ

ثم يقول الحق سبحانه :
إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين١ والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ( ١٧ ) :
هذه فئات ست أخبر الله عنها بقوله : إن الله يفصل بينهم يوم القيامة.. ( ١٧ ) [ الحج ] : ومعنى الفصل بينهم أن بينهم خلافا ومعركة، ولو تتبعت الآيات التي ذكرت هذه الفئات تجد أن هناك آيتين في البقرة وفي المائدة.
يقول تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( ٦٢ ) [ البقرة ].
وفي المائدة يقدم الصابئين على النصارى، وفي هذا الموضع تأتي بالرفع بالواو، يقول تعالى :
إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( ٦٩ ) [ المائدة ].
الذين آمنوا.. ( ١٧ ) [ الحج ] : أي : بمحمد( صلى الله عليه وسلم )، والذين هادوا.. ( ١٧ ) [ الحج ] : أي : اليهود، ثم النصارى وهما قبل الإسلام، أما الصابئون : فهؤلاء جماعة كانوا على دين إبراهيم عليه السلام، ثم عبدوا الكواكب فسموا الصابئة لخروجهم عن الدين الحق. أما المجوس : فهم عبدة النار، والذين أشركوا : هم المشركون عبدة الأصنام والأوثان.
أما التقديم والتأخير بين النصارى والصابئين، قالوا : لأن النصارى فرقة كبيرة معروفة ولهم نبي، أما الصابئة فكانوا جماعة خرجوا على نبيهم وخالفوه وأتوا بعقيدة غير عقيدته، فهم قلة، لكن سبقوا النصارى في الترتيب الزمني، لذلك حين يراعي السبق الزمني يقول : الصابئين والنصارى.. ( ١٧ ) [ الحج ]، وحين يراعي الكثرة والشهرة، يقول : النصارى والصابئين.. ( ٦٢ ) [ البقرة ] : فكل من التقديم أو التأخير مراد لمعنى معين.
أما قوله : والصابئون.. ( ٦٩ ) [ المائدة ] بالرفع على خلاف القاعدة في العطف، حيث عطفت على منصوب، والمعطوف تابع للمعطوف عليه في إعرابه، فلماذا وسط مرفوعا بين منصوبات ؟
قالوا : لا يتم الرفع بين المنصوبات إلا بعد تمام الجملة، فكأنه قال : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، والصابئون كذلك، فعطف هنا جملة تامة، فهي مؤخرة في المعنى، مقدمة في اللفظ، وهكذا تشمل الآية التقديم والتأخير السابق.
لكن، كيف ينشأ الخلاف بين الأديان ؟.
ينشأ الخلاف من أن قوما يؤمنون بإله ويؤمنون بالنبي المبلغ عن هذا الإله، لكنهم يختلفون على أشياء فيما بينهم، كما نرى الخلاف مثلا بين المعتزلة وأهل السنة، أو الجبرية والقدرية، فجماعة تثبت الصفات، وآخرون ينكرونها، جماعة يقولون : الإنسان مجبر في تصرفاته، وآخرون يقولون : بل هو مختار.
وقد ينشأ الخلاف بين الأديان للاختلاف في النبوات، فأهل الديانات يؤمنون بالإله الفاعل المختار، لكن يختلفون في الأنبياء موسى وعيسى ومحمد مع أنهم جميعا حق. وقد ينشأ الخلاف من الادعاء، كالذين يدعون النبوة كهؤلاء الذين يعبدون النار، أو يعبدون بوذا مثلا.
فهذه ست طوائف مختلفة ذكرتهم الآية، فما حكم هؤلاء جميعا بعد بعثة محمد ( صلى الله عليه وسلم ).
نقول : أما المشركون الذين عبدوا الأصنام، وكذلك الذين عبدوا النبوة المدعاة، فهؤلاء كفار ضائعون. أما اليهود والنصارى الذين يؤمنون بإله فاعل مختار، ويؤمنون بنبوة صادقة، فشأنهم بعد ظهور الإسلام، أن الله تعالى أقام لنا تصفية آخر الأمر لهذه الديانات، فمن كان يهوديا قبل الإسلام، ومن كان نصرانيا قبل الإسلام، فإن الله أجرى لهم تصفية عقدية في الإسلام، فإن كانوا مؤمنين الإيمان الأول بالله تعالى فعليهم أن يبدأوا من جديد مؤمنين مسلمين.
لذلك قال بعدها : من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( ٦٢ ) [ البقرة ].
فبعد ظهور الإسلام بدأت لهؤلاء جميعا- اليهود والنصارى والمجوس والمشركين- حياة جديدة، وفتحت لهم صفحة جديدة هم فيها أولاد اليوم، حيث لزمهم جميعا الإيمان بالله تعالى والإيمان بنبيه محمد ( صلى الله عليه وسلم )، وكأن الإسلام تصفية ( وأوكازيون إيماني ) يجب ما قبله، وعفا الله عما سلف.
والحق- سبحانه- حينما تكلم عن الأجيال السابقة لنبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قال : وإذ أخد الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ( ٨١ ) [ آل عمران ].
لذلك نبه كل من موسى وعيسى- عليهما السلام- بوجود محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وبشروا به، بدليل قول الله تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.. ( ٨٩ ) [ البقرة ] : والمراد اليهود والنصارى.
وقد جاء محمد ( صلى الله عليه وسلم ) رحمة للعالمين، وجامعا للأديان كلها في الإسلام الذي زاد عليها ما زاد مما تقتضيه أمور الحياة وتطورات العصر، إلى أن تقوم الساعة.
جاء الإسلام تصفية لهؤلاء، استأنفوها بإيمان، واستأنفوها بعمل صالح، فكان لهم أجرهم كاملا عند ربهم لا يطعن فيهم دينهم السابق، ولا عقائدهم الفاسدة الكافرة.
أما إن حدث خلاف حول النبوات كما تذكر الآية التي نحن بصددها : إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ( ١٧ ) [ الحج ] : والفصل أن نعرف من المحق ومن المبطل، وهكذا جمعت الآيات بين حالة الاتفاق وحالة الاختلاف وبينت جزاء كل منهما.
فالفصل إما فصل أماكن، وإما فصل جزاءات، قالوا : بالطبع فالحكم بينهم : هذا محق وهذا مبطل سيؤدي إلى اختلاف الأماكن واختلاف الجزاءات.
وقوله تعالى : إن الله على كل شيء شهيد ( ١٧ ) [ الحج ] : لأن الله تعالى هو الحكم الذي يفصل بين عباده، والحكم يحتاج إما إلى بينة أو شهود، والشهود لا بد أن يكونوا عدولا، ولا يتحقق العدل في الشهادة إلا بدين يمنع الإنسان أن يميل عن الحق، فإن كان الحكم هو الله فلا حاجة لبينة، ولا حاجة لشهود، لأنه سبحانه يحيط علمه بكل شيء، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
ومن العجيب أن الحكم والفصل من الحق سبحانه يشمل كل السلطات : التشريعية والقضائية والتنفيذية، فحكمه سبحانه لا يؤجل ولا يتحايل عليه، ولا تضيع فيه الحقوق كما تضيع في سراديب وأدراج المحاكم.
أما حكم البشر فينفصل فيه التشريع عن القضاء عن التنفيذ، فربما صدر الحكم وتعطل تنفيذه، أما حكم الله فنافذ لا يؤجله شيء.
إذن : المسألة لن تمر هكذا، بل هي محسوبة لك أو عليك.

١ - صبأ يصبأ: خرج من دين إلى دين. والصابئون يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام. وقيل: هم عباد الملائكة. وقيل عباد الكواكب والنجوم وقيل: عباد النار. (القاموس القويم١/٣٦٥)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير