وذكر الزمخشري في كشافه أن المعنى:
«الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة فمن كان يظن من حاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك، ويطمع فيه، ويغيظه أنه لم يظفر بمطلوبه فليستقص كل ما في وسعه، وليفرغ مجهوده في إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما يفعله من بلغ منه الغيظ كل مبلغ حتى لو مد حبلا إلى سماء بيته للانتحار فاختنق به منتحرا فلينظر، وليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي يغيظه».
وسمى الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع حياته، وسمى فعله وهو فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ كيدا لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره، أو سمى كيدا على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده، وإنما كاد به نفسه.
ألست معى في أن هذا رد لأعداء الإسلام في أن يطمعوا في إحباط دعوة الإسلام؟! ألست معى في أن الله متم نوره، ومؤيد رسوله، وعاصمه من الناس، ومؤيده بوحيه، ومنزل عليه آياته البينات.
ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله آيات بينات واضحات، يهدى به الله الذين يعلم أنهم مؤمنون، وفي نفوسهم استعداد للإيمان بالغيب.
من مظاهر عدله وقدرته [سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٧ الى ١٨]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)
المفردات:
آمَنُوا الإيمان: هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وَالَّذِينَ هادُوا وهم أتباع موسى- عليه السلام- لقولهم: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ بمعنى رجعنا وتبنا وَالصَّابِئِينَ قوم يعبدون النجوم والكواكب وَالنَّصارى هم أتباع المسيح- عليه السلام- وَالْمَجُوسَ عبدة النار من الفرس وغيرهم وهم يقولون بأن هناك إلهين للخير والشر، وللعالم أصلين نورا وظلمة وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا هم مشركو العرب الذين يعبدون الأصنام والأوثان يَسْجُدُ يخضع وينقاد لما يجريه عليه من حكم.
المعنى:
إن الله- سبحانه وتعالى- يهدى من يريد لأنه يستحق الهداية على حسب ما اطلع على نفسه وميله في الأزل بحيث لو ترك وحده لاختار ما قدره الله له، وهو يحكم بين الخلائق كلها بالعدل والقسطاس المستقيم فلا يظلم نفسا شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل.
فالذين آمنوا بالله وكتبه واليوم الآخر، وهم المسلمون الموحدون المؤمنون بالنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم وبإخوانه الأنبياء جميعا لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [سورة البقرة آية ٢٨٥].
والذين هادوا وهم أتباع موسى- عليه السلام-، ولو كانوا أتباعا له حقيقة، ولم يغيروا ويحرفوا التوراة لآمنوا كذلك بعيسى ومحمد صلّى الله عليه وسلم:
والصابئون الخارجون عن حدود الدين العابدون للكواكب، والنصارى من أتباع عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله، ولو كانوا كذلك لآمنوا بمحمد خاتم الأنبياء والرسل فدينه ينسخ كل ما تقدمه، وفي التوراة والإنجيل البشارة الصحيحة بالنبي محمد صلّى الله عليه وسلم
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي