أخرج أحمد والترمذي والسدي والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر أخرجوا نبيهم ليهلكن فأنزل الله تعالى :( أذن( ١ قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو على البناء للمفعول والباقون على البناء الفعال أي أذن الله ورخص في القتال ( للذين يقاتلون( قرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء على البناء للمفعول يعني للمؤمنين الذين يقاتلهم المشركون والباقون بكسر التاء على البناء للفاعل يعني للمؤمنين الذين أذن لهم في الجاهد وأن يقاتلوا الكفار، قال البغوي قال المفسرون كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزالون يجيئون بين مضروب ومشجوج ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لهم اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال فنزلت هذه الآية بالمدينة، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنها أول آية نزلت في القتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية، وأخرجه ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير وأخرجه عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري وقال البغوي قال مجاهد نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة فكانوا يمنعون فأذن الله لهم في قتال الكفار والذين يمنعونهم من الهجرة ( بأنهم( أي أذنوا في القتال بسبب أنهم ( ظلموا( أي اعتدوا عليهم بالإيذاء ومن ها هنا لا يجوز قتل نساء أهل الحرب بالإجماع إلا أن يكون ذوات رأي أو مال تعن الكفار بأموالهن على قتال المسلمين ولا يجوز قتل الشيخ الغاني ولا الرهبان ولا العميان ولا الزمني خلافا لأحد قولي الشافعي إلا أن يكون لهم رأي وتدبير فيجوز قتلهم اتفاقا، ولا يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله قتل المرتدة بل تحبس أبدا حتى تموت أو تتوب وقال مالك والشافعي وأحمد الرجل والمرأة في حكم الردة سواء لنا حديث عبد الله بن عمر قال :" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان " ٢ متفق عليه، وحديث بن رباح بن الربيع قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا فقال " ما كنت هذه تقاتل " وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال : قل لخالد لا تقتل امرأة ولا عسيفا " ٣ رواه أبو داود وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" انطلقوا بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا كفلا صغيرا ولا امرأة " ٤ الحديث رواه أبو داود والمرأة في تلك الأحاديث مطلقة تحت النفي تعم الكافرة الأصلية والمرتدة وعلل في النص عدم قتلها بعدم حرابها قالت الحنفية الأصل في الأجزية أن تتأخر إلى دار الجزاء وهي الدار الآخرة، وأما دار الدنيا فهي دار التكليف والابتلاء قال الله تعالى :( لا إكراه في الدين( ٥ فكل ما شرع جزاء في هذه الدار إنما هو لمصالح تعود إلينا في هذه الدار كالقصاص وحد الشرب والقذف والزنى والسرقة فإنها شرعت لحفظ النفوس والأعراض والعقول والأنساب والأموال فالقتل بالردة لا يجب إلا لدفع شر حرابه لا جزاء على كفره لأن جزاء الكفر أعظم من ذلك عند الله فيختص القتل بمن يتأتى منه الحراب وهو الرجل ولو كان جزاء للكفر لما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء أهل الحرب ولو كان جزاءا للكفر لزم تطهيره بالقتل كما في القصاص والحدود احتجوا على وجوب قتل المرتدة بعموم قوله صلى الله عليه وسلم " من بدل دينه فاقتلوه " ٦ رواه البخاري من حديث ابن عباس وفي الباب عن يهز بن حكيم عن أبيه عن جده في معجم الكبير للطبراني وعن عائشة في الأوسط وأجاب الحنفية بأنا خصصنا النساء عن عموم كلمة من لما ذكرنا من أحاديث النهي عن قتل النساء بعد أن عمومه مخصص بمن بدل دينه من الكفر إلى الإسلام أو من اليهودية إلى النصرانية قلت : لكن حديث ابن عباس رواه الحاكم وصححه بلفظ " من بدل دينه من المسلمين فاقتلوه " قال الحافظ هو من طريق حفص بن عمر العدني وهو مختلف فيه واحتجوا أيضا بحديث جابر أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت رواه الدارقطني من طريقين ولا في أحدهما فأبت أن تسلم فقتلت : قال الحافظ إسنادهما ضعيفان قال ابن همام الأول مضعف بعمر بن رواحة والثاني بعبد الله بن أدينة قال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به وروى حديث آخر عن عائشة ارتدت امرأة يوم أحد فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تستتاب وإلا قتلت وفي سنده محمد بن عبد الملك قالوا فيه يضع الحديث ثم هذه الأحاديث معارضة بأحاديث آخر مثلها منها ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " لا تقتل المرأة إذا ارتدت وفيه عبد الله بن علي الجزري قال الدارقطني كذاب يضع الحديث وعن أبي هريرة أخرج ابن عدي في الكامل أن امرأة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ارتدت فلم يقتلها وضعفه بحفص بن سليمان وأخرج الطبراني في معجمه عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن قال : أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب فاقبل منه وإن لم يتب فاضرب عنقه وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن تابت فاقبل منها وإن أبت فاستتبها، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين عن ابن عباس لا تقتل النساء إذا هن ارتدن عن الإسلام ولكن يحسبن ويدعين إلى الإسلام ويجبرن عليه وفي بلاغات محمد عن ابن عباس نحوه وروى عبد الرزاق أثر عمر أن امرأة تنصرت فأمر أن تباع في أرض ذات مؤنة عليها ولا تباع في أهل دينها فيبعث في دومة الجندل وروى الدارقطني أثر على المرأة تستتاب ولا تقتل وضعف بجلاس.
مسألة : لو أمر الإمام بقتل بعض من نساء أهل الحرب مرتدة كانت أو غيرها لمصلحة فلا بأس به وقد ذكرنا في تفسير سورة الفتح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى امرأته من المسلمين يوم الفتح حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا تقتلوا أحدا إلا من قائلهم إلا نفرا سماهم فأمرهم بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وذكرنا هناك أسماءهم منهم نساء منهن قينتان لعبد الله بن خطل قرنة وقرينة فقتلت قرينة وأسلمت قرنة وكانتا مرتدين ومنهم سارة مولاة عمر بن هاشم وهند امرأة أبي سفيان كانتا كافرتين أصليتين أسلمتا يوم الفتح والله أعلم.
( وإن الله على نصرهم لقدير( وعد لهم بالنصر كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: قتل النساء في الحرب (٢٠١٥) واخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب (١٧٤٤)..
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في قتل النساء (٢٦٦٧)..
٤ اخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في دعاء المشركين (٢٦١٢)..
٥ سورة البقرة الآية: ٢٥٦..
٦ أخرجه البخاري في كتاب: استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم باب: حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (٦٩٢٢).
وهو عند أصحاب السنن..
التفسير المظهري
المظهري